الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
مؤتمر المصالحة: شكلي ونتائجه محسومة سلفا طباعة البريد الإلكتروني
مقالات - مقالات سياسية
محمد عمر أحمد   
الاثنين, 01 أكتوبر 2007

 المصالحة مطلوبة ولكن بأي شكل وعلى أي أساس؟؟. يقال صلَح الأمر يصلُح صلاحا إذا استقام وتم، وأصلح فلان الأمر إصلاحا فهو مصلح وتصالح الخصوم وفي القرآن (والصلح خير) (والله يعلم المصلح من المفسد )(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينها) ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم )، والإصلاح ضد الإفساد والمصالحة والتصالح التخاصم والعداوة وقد وردت مادة (صـ،لـ،ح) في القرآن أكثر من 180 موضعا، فأنت ترى عزيزي القارئ أنَّ هذه المادة ومشتقاتها تدور على التحسين وتقويم الاعوجاج، ودرء الفساد، وإنهاء المشاكل، ولا يليق بعاقل أن يرفض صلحا أو يقاطعه. ولكن علينا أن نتساءل هل تنطبق هذه التعريفات عن المصالحة في الصومال؟

 إذا رجعنا قليلا إلى الوراء لنتتبع مسار مؤتمر المصالحة الحالي يمكن القول بأن الحكومة الانتقالية بعد أن ترجحت كفتها بمساندة الآلة الإثيوبية في حربها ضد المحاكم الإسلامية ودخولها العاصمة في ديسمبر الماضي سيطرت عليها نشوة انتصار غريبة، وسلكت مع خصومها السياسيين مسلك النفي والإلغاء، وسارت على سياسة العصا الغليظة زاعمة أن الأزمة الصومالية في طريقها إلى الحل النهائي، وأنها قضت على كل معارضة معتبرة، ومن ثم فلا داعي للتفاوض مع أطراف لا تتمتع بأي تأثير على أرض الواقع. 

تلك كانت فحوى التصريحات الأولى للرئيس ورئيس الوزراء في مناسبات عديدة حيث أكد الرئيس عبد الله يوسف مرارا أن عجبه لا ينقضي من أصوات تجهل حقيقة الوضع في الصومال وتطالبه بإجراء مصالحة مع أن الحكومة الشرعية تسيِّر دفة الأمور بحكمة ومسئولية، وماضية في طريق الإصلاح وإعادة الاعمار، وإنهاء ما تبقى من حالة الشغب، وكبح جماح المسلحين في العاصمة.

 بعد تزايد الضغوط العالمية على الحكومة مطالبة إياها بعقد مؤتمر مصالحة لإنهاء الأزمة لم تستطع الحكومة الصمود طويلا أمام المطلب العالمي؛ لاسيَّما وأن الجهات المانحة ربطت مساعدتها للحكومة على إكمال مشروع التوافق الوطني وإنهاء حالة الحرب التي لا تفلح معها جهود البناء والتطوير فخيار المصالحة يمثل مفتاحا لحل الأزمة، ودليلا على مصداقية الحكومة. 

وبعد مشاركة الرئيس عبد الله يوسف لمؤتمر القمة الإفريقي في أديس أبابا في أواخر شهر فبراير فاجأ الجميع بتغيير موقفه تماما وإعلانه من جانب واحد عقد مؤتمر شامل للمصالحة الصومالية، وحينها توقع البعض أن الحكومة وضعت يدها على مفتاح الحل للأزمة، وأنها ستمدُّ يدها للمعارضة مطالبة بفتح صفحة جديدة، ولكن تبيَّن أن الحكومة أرادت أن تضحك على العالم بمؤتمر شكلي يجنبها فقط من توجيه سهام اللوم إليها لعدم جديتها في مشروع المصالحة .

 في بيدوا -مقر البرلمان- طرح الرئيس فكرته في آخر شهر فبراير من 2007 أمام الحكومة والبرلمان ومن حسن حظه فإن الطرح لاقى الاستحسان والقبول بإجماع الآراء،‏ دون التطرق إلى الإجابة عن تساؤلات محدَّدة كانت بحاجة إلى البحث والدراسة، وأصبح التسرع سيد الموقف مع ضبابية الأهداف مما جعل المطبات في طريق هذا المؤتمر‏ كثيرة، وأول المطبات كانت تأخير المؤتمر مرتين وحتى بعد افتتاحه تمَّ تأجيله لأسباب فنية-كما قيل- فبلغ عدد مرات التأخير أكثر من ثلاث كل ذلك لسبب بسيط وهو أنه لم تتم دراسة متطلبات المؤتمر من جميع جوانبه.‏والحق أن الأطراف المعارضة لسياسة الحكومة الانتقالية الموالية لنظام زيناوي -بما فيها المحاكم الإسلامية- توافق من حيث المبدأ أهمية المصالحة وعقد مؤتمر لأجلها ولكن هناك أسئلة لابد من طرحها عند الحديث عن أي مؤتمر مهما كان وهي أسئلة واردة ومنطقية من قَبيل: ما أجندة المؤتمر؟ ومن المشاركون؟ وأين يعقد؟ ونحو ذلك مما هو معروف للجميع. 

ومكمن المشكلة أن إجابة الحكومة عن تلك الأسئلة جاءت بعيدة عن الواقع والمنطق، فالحكومة صرَّحت بأن المؤتمر يعقد لإيجاد مصالحة بين العشائر الصومالية المتحاربة، والحقيقة أن العشائر تحاربت فيما بينها حين انفرط عقد الأمن في بداية التسعينيات إلا أنه يصح القول بأن تلك الحروب أخذت شكلا آخر يميل إلى حروب المصالح، وغالبا ما تحدث بين بطون وأفخاذ القبيلة الواحدة، وهذا النوع من الاقتتال الداخلي يتطلب طرقا أخرى للحل، كإرسال وفود مصالحة إلى مساكن القبيلتين، والدخول في مفاوضات ودية لإيقاع الصلح بينهما لا عقد مؤتمر عام تلتقي فيه كل القبائل، أما الحزازات القبليَّة الضاربة في العمق بين مكونات المجتمع الصومالي ذي التركيبة القبلية المعقدة فإنها بحاجة إلى حل عملي يقوم بإشاعة روح العدل والنظام؛ لتسود الثقة ويحل الأمن محل الريبة والخصام.  أما من حيث مكان عقد المؤتمر فإن الحكومة الانتقالية لا تستطيع تأمين نفسها وقياداتها ومقارها دون الإستعانة بالقوات الإثيوبية، وبعيد عن المنطق أن تتم المناقشات الصومالية البينية بحراسة الجندي الإثيوبي وفي ظل هيمنة العدو الذي هو جزء من المشكلة ولا توجد هناك ضمانات على أمن المشاركين الذين قد يثيرون مسائل لا ترضى إثيوبيا طرقها والحديث عنها. 

أما المشاركون في المؤتمر فقيل إنهم ممثلون لجميع عشائر الصومال من السلاطين والوجهاء والمثقفين والنساء وقيادات المجتمع المدني وممثلين للجاليات الصومالية في المهجر ومعلوم أن الشرط الأساسي لأية مصالحة هو وجود طرفين متخاصمين أما حين تستدعي الحكومة أطرافا موالية لها راضية عن سياستها فإن المسألة ستصبح من باب تحصيل الحاصل. 

الجهات الدولية والإقليمية كالأمم المتحدة، والاتحاد الأوربي، والجامعة العربية والاتحاد الإفريقي، وغيرها من المنظمات نادت بأنَّ المصالحة الحقيقية تقتضي أن يكون التفاوض مع الجهات المعارضة للحكومة لكن للأسف فإن تلك الجهات بدل أن تدخل في حوار حقيقي مع الحكومة اكتفت بتوجيه نصائح لم تلتزم بها الحكومة، واكتفت بمراقبة الأوضاع من بعيد، وكأنه قد أصابها نوع من الإحباط من إصرار الحكومة أو كأنها استشفت بفطنتها مسبقا نتائج المؤتمر ونفضت يديها منه، أما الدول العربية فقد اكتفت بالصمت واللامبالاة، وأما إثيوبيا وكينيا فهما الجهتان الوحيدتان اللتان أوفدتا مبعوثين إلى حفل افتتاح المؤتمر تعبيرا عن المساندة حتى لا تجد الحكومة نفسها بلا أنصار فتلين قناتها أمام الضغوط، كلُّ هذا من شأنه أن يجعل النتائج المرتقبة من هذا المؤتمر الشكلي محسومة مسبقا، وسوف تكون ملوَّنة بلون المؤتمر نفسه لا تغير من الواقع الراهن شيئا .

 اللهم إلا بعض الفوائد الهامشية التبعية التي لا يخلو منها أي مؤتمر، وهي أنَّ المشاركين -الذين أغلبهم شخصيات دون المستوى المطلوب- سيجدون فرصة للتعارف (والدردشة) مما سينفِّس عن كثير من مشاعر الحقد المكبوتة.

نِعْمَ من يجعلُ المصالحةَ خياره الاستراتيجي!! وبئس من يتعنت ويغمض عينيه عن الصواب!! .

تعليقات حول الموضوع

Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى