الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
في بونت لاند .. الاصلاح السياسي ليس صعبا طباعة البريد الإلكتروني
مقالات - مقالات سياسية
محمد عمر أحمد   
الثلاثاء, 25 سبتمبر 2007

كان قدر ولاية بونت لاند الصومالية أن تعيش حياة التدهور والضعف، رغم تمتعها بمقومات الانطلاقة والازدهار، ولكنها بغياب إرادة التغيير لدى حكامها حظيت بنصيب وافر من التخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي مما جعلها موضع رثاء وإشفاق من الجميع .....

وكان من المفترض أن تكون منارة يهتدي بها في التطوير والإصلاح وإشاعة مظاهر الحضارة والتقدم، ومنذ تأسيسها في أول شهر أغسطس عام 1998 تعاقب عليها ثلاثة رؤساء هم عبد الله يوسف ،وجامع علي جامع ،والرئيس الحالي الجنرال عدى موسى.

الرئيس عبد الله يوسف الذي يعد المؤسس لولاية بونت لاند بطموحه الزائد فقد كان يتطلع إلى أبعد من رقعة بونت لاند المحدودة، وكان ينظر إلى مجريات الأحداث السياسية في البلاد وتفاعلها، وتضارب الخيوط بعين المراقب البصير عازما التسلل أو القفز عبر التناقضات بين الفصائل القبلية، ليتبوَّأ يوما المنصب الذي طالما حلم به، وأفنى لأجله شطرا كبيرا من حياته، وقد سخَّر موارد بونت لاند المالية لتكون مصدرا لتمويل أنشطة وتحركات تتلاءم مع تطلعاته السياسية بعيدا عن بونت لاند ، فلهذا لم تنعم الولاية في عهده بشيء من لمسات التقدم في مجالات الإصلاح الاقتصادي أوالتعليمي كما أنه لم تكن هناك نية ولا رؤية لوضع آليات للإصلاح الشامل، ولكنه بفضل قوة شخصيته، وعقليته الأمنية نجح الرئيس يوسف في الحد من التنازع القبلي،والتجاذبات السلطوية عبر السيطرة التامة على الجيش، وبتوطيد علاقته بزعماء العشائر مهتديا بخبرته الواسعة في احتواء المعارضين، فبقيت بونت لاند محكومة بالعقلية العسكرية الصِّرفة لا مكان فيها للإصلاح ولا حتى الحديث عنها  

ثم جاءت فترة جامع علي جامع (شهر يوليو 2001م ) التي كانت أصلا قصيرة، ومتزامنة مع تصاعد وتيرة الصراع بينه وبين الرئيس عبد الله يوسف الذي تطور إلى النزاع المسلح مما أدى إلى بروز القائد العسكري عدى موسى الذي توصل مع عبد الله يوسف إلى صلح تاريخي مشرِّف اعتبره البعض وساما للسلام في صدره وجعله موضع إعجاب للمراقبين، وفيما بعد توطدت العلاقة بين الرجلين مما أهله لخلافته في منصبه بعد أن ارتحل يوسف إلى مؤتمر المصالحة الصومالية الذي عقد في قرية إلدوريت الكينية. وعند تسلمه منصب رئاسة الولاية في 8 يناير 2005م كان الكثيرون يعلقون آمالا عريضة على الجنرال الجديد أملا في أنه سيقود السفينة المثقلة بأعباء الاهمال والتوترات السياسية إلى برٍّ أكثر استقرارا ورفاهية، هذا مع الوعود الكثيرة التي قطعها على نفسه؛ من تحسين الاقتصاد، وخلق فرص عمل للمواطنين، ولكنها أصبحت كما قيل " أسمع جعجعة ولا أرى طِحْنا".  

 وقد ظهرت الحكومة الأخيرة في قمة عجزها خلال النصف الأول من العام الحالي حيث طفت على السطح علل كثيرة كانت كامنة، وبدأت المهاترات السياسية، وعصيان بعض المدن، والتظاهرات الصاخبة بسبب غلاء الأسعار، وفقدان لقمة العيش وحبة الخبز للمواطن المسكين، بعد أن أقرّ  َالرئيس-نفسُه- بوجود ماكينات لطبع العملة المزيفة في بونت لاند.  وإذا كان لنا أن نشير إلى أبرز مسببات التدهور أو الركود السياسي في بونت لاند يمكن الإشارة إلى المتغيرات التالية

 1.      ضعف الطبقة المثقفة التي تتهيب من طرح الرَّأي والمجاهرة به طالما فيه خير الجميع ، ومعارضة السياسة الجائرة عبر إيجاد آليات تحريك الرَّأي العام من وسائل الإعلام، والمؤسسات البحثية مما يشكل وسيلة ضغط على مؤسسات الحكومة، ويدفعها نحو الفاعلية والالتزام.

 2.      الفئة المتدينة من العلماء وأبناء الصحوة الإسلامية أصيبت بعُقْدة العزلة نتيجة لحروب خاضتها في المنطقة مازالت تلقي بظلالها السوداء على أداء القيادات هذه الصحوة، وعلاقتهم بحكام الولاية ومع المجتمع، حيث تصبح التهم جاهزة للاستخدام والتبادل بين الجانبين

. 3.      على الصعيد المجتمعي فإن ثقافة الخضوع الناتجةعن طبيعة المجتمع هي السائدة، كما أن ضعف الوعي السياسي يجعل النظرة القبلية للحكام هي المقياس بدل الاعتماد على معايير الكفاءة والإصلاح الاقتصادي لتكون أسس اختيار المسئولين.

 4.      كثيرون من النخب الحاكمة في الولاية ما زالوا يفكرون بعقلية زمن الانفلات الأمني والفوضى السياسية؛ حيث أصبحت الفوضى وغياب الحكومة تبريرا لكل فشل يتعرض له أي مسئول فتكون اللامسئولية والضياع سمة بارزة تغيب معها المحاسبة وينعدم النقد والمساءلة

.5.      الحقيقة تؤكد أن الهياكل التنظيمية القائمة في بونت لاند ليست سوى مؤسسات شكلية؛ لاستكمال صورة المباهاة بامتلاك مقومات النظام والدولة فلا وجود للأجهزة الإدارية بمعناها الصحيح، ولا تسلسل وظيفي ولا محاسبة ولا أجهزة رقابة على الحكومة، ولا شفافية في طرح المشكلات، ولا خطط للتنمية وتلك أبسط مقومات الحيوية أو الوجود. وفي تصوُّري أن المجموعة البرلمانية - وهي من الأهمية والخطورة بمكان- أغلبيتها لا تعي حدود مسئوليتها ولا ضخامة التكليف، ومن ثم شاعت التحالفات والتجاذبات والإهمال وعدم الفاعلية، فلا طرحَ لهموم المجتمع اللهم حين تقوم زوبعة سياسية تفرض على الجميع أن يظهر نفسه مظهر البرلماني القادر على المشاركة .

 

الأزمة الأخيرة في بونت لاند المتمثلة في ارتفاع أسعار المواد الأساسية وانخفاض قيمة العملة المحلية الحاد ليست سوى عرض من مرض عضال أصاب الحياة العامة في هذا المجتمع بالشلل الكلي وليس الجزئي .

 الركائز الأساسية لأية نهضة مجتمعية تبدأ من شيوع ثقافة النقد والمراجعة وحرية الفكر لدى المواطن مما يدفع المسئول إلى الإسراع بخطى الإنجاز وهي ما يسميه القرآن " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرالذي يتطلب المشاركة والمسئولية والشجاعة الأدبية.والتنمية الحقيقية لا تتطلب إمكانات مادية بقدر ما تتطلب تغيرا في الذهنيات، وتجددا في الافكار، وشحذا للإرادات، ولن يتأتى ذلك للمواطن إلا بعد أن يخرج من شرنقة التخلف الثقافي، وينتقل إلى طور النضج بحثا عن ثقافة جديدة تعده للمستقبل، وهذا هو العبء الذي يجب أن تضطلع به مؤسسات التربية بقيادة الجيل الجديد من المثقفين .

والله من وراء القصد .

تعليقات حول الموضوع

Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى