الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
أهالي مقديشو بين بعيد لا يرحم وقريب لا يفهم طباعة البريد الإلكتروني
مقالات - مقالات سياسية
عبد العزيز عرتن   
الثلاثاء, 10 نوفمبر 2009

أثناء الاحتلال الإثيوبي البغيض للصومال كان أبناء البلاد قاطبة تواقـين إلى انتهائـه ويتطلعون إلى اليوم الذي يستعيدون فيه حريتهم، واثقين من أن أزمتهم تـنـتهي بانـتهاء ذلك الاحتلال وأنهم سينعمون بعده بالاستقرار الذي لطالما حلموا به وسيعيشون كغيرهم من الشعوب في أمن وسلام . 

ولكن الأمر اختلف بعد جلاء الإثيوبيـين ولم يحدث شيء مما حلم به سكان مقديشو، واستمر القصف العشوائي وحصد الأرواح البريئة مع استمرار النـزيف والنـزوح ، ومع أن الجميع ملطخة أيديهم بدماء الأبرياء إلا أنهم جميعاً يتهربون من تحمل تلك المسؤولية ملقـين اللوم على غرمائهم خصومهم السياسيـين .

أين الحقيقة في هذا المشهد المريع ؟ ومن المسؤول عن استمراره ؟ ومن يتحمل قتل المدنيـين الأبرياء في بيوتهم التي من المفترض أن تكون آمنة ؟ وإلى متى يحاول المسؤولون عن تلك الأفعال الشنيعة خداع العقول والقلوب ؟ وهل نحن مُجـبَرون على تصديق هذا الطرف أو ذاك ثم التصفيق له؟ أم أن علينا البحث عن الحقيقة ، الحقيقة وحدها ؟  وأن نـنظر إلى الأمور من زاوية غير التي يعرضها لنا المتصارعون على مقديشو ؟ زاوية الحقيقة والإنصاف ،  زاوية أعط كل ذي حق حقه ، إن كان في الحقوق أو تحمل المسؤولية .

ومن أجل تحقيق الإنصاف للجميع تعالوا لنتعلم من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معلّم البشرية جمعاء، كيف نعطي كل ذي حق حقه ، وكيف ننـصف الناس في ما يصدر عنهم من أفعال وأقوال ، وما أحوجنا إلى أن نتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم كل صغيرة وكبيرة في شؤون حياتنا .

أورد القاضي عياض في الشفاء بسند وثق رجالَه علماء الحديث أن زيد بن سَعنة اليهودي جاء قبل إسلامه إلى رسول الله r يتقاضاه ديناً عليه فجـبذ ثوبه عن منكبه وأخذ بمجامع ثيابه وأغلظ عليه ثم قال إنكم يا بني عبد المطلب مُطلٌ ،  فانتهره عـمر بن الخطاب رضي الله عنه وشدد عليه في القول والـنبي -صلى الله عليه وسلم- يـبـتسم فقال :أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج يا عمر ، تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن التقاضي ... الحديث ) .

 هنا يعلمنا رسول الله التزام العدل والإنصاف مهما أساء الخصم الأدب ،  وأن يوجه الكلام المناسب لمستحقيه مهما علا شأنـهم ، وأن لا نـخاف في الله لومة لائم في تبيان الحق ونصح الناس .

انطلاقاً من هذا نقول إن مسؤولية استمرار النـزيف والنـزوح في مقديشو وقتل الأبرياء فيها وقصفهم في بـيوتهم الآمنة مسؤولية مشتركة تقع على جميع الأطراف المتصارعة في المدينة ، الحكومة والمعارضة وقوات أميصوم الإفريقية ، وليس من الضروري تطابق أدوار هذه الأطراف ، ولكن المهم أن تتكامل ويشترك الجميع في إخراج هذه الصورة الدموية وهاكم دور كل منهم .

  القوات الإفريقـية :

المسماة قوات حفظ السلام الإفريقية والتي ليس لها أي نصيب من اسمها ، بل إنـها المسؤول الأول والمباشر في قتل المدنيـين في مقديشو بقصفهم العشوائي على الأحياء السكنية وسوق بكارى بطريقة جبانة وعدوانية ، ولا تـختلف كثيرا عما كان يفعله نظراؤهم الإثيوبيون وبالتالي فلا يجوز وصفها قوات حفظ السلام ولا تصرفها ينم عن ذلك بل هي قوات قاتلة للسلام والشعب معا ناهيك عن صنع هذا السلام وحفظه ، وكأنـها موجودة لإفناء الشعب وإخراجه من بيوته ، وظيفتها الأساسية والوحيدة هي حماية حكومة شريف من السقوط أمام معارضيها .

وحتى قوات الاحتلال الأمريكي في العراق وفي أفغانستان لا ترد بـهذه الوحشية والعشوائية التي يتعامل بها الأفارقة ضد الصوماليين .

ولكن ماذا يجدي نقدنا للأفارقة نفعا إذا كان بعض أبناء البلاد أنفسهم لا يرحمون شعبهم ، ولا أدري إذا كانت صرخات النساء والأطفال كفيلة بتوصيل الرسالة التي لم يستطع الإعلام  توصيلها إلى هؤلاء ، أم أنه لا حل للصومال إلا من خلال زعماء الحرب أيا كان نوعهم ، الذين لا يقبلون حلا ليسوا هم أبطاله ، والذين  لا يرمون إلا الوصول إلى أعلى هرم السلطة للبلاد والاستفراد بالحكم دون أهل اللاد جميعا مع عدم إجادتهم الطريق المؤدية إليه،  إلا بسفك الدماء وقتل الأبرياء .  

 الفصائل المعارضة للحكومة :

 إذا سألتهم من المسؤول عن هذا القتل ؟ سيرمون اللوم على قوات أميصوم الأفريقية وحكومة شريف التي استقدمتهم ، أما هم فهم أبرياء كبراءة الذئب من دم يوسف ، وأنهم يحاربون أعداء الأمة وما يقومون به جهاد محض لا غبار عليه ؟ ولولاهم لضاعت البلاد ؟ وعلى الشعب مناصرتهم وليصبـر فإنما النصر صبر ساعة ، وإن النصر قادم لا محالة ولم يبق منه إلا سويعات قليلة،  كلام طويل من هذا النوع له بداية وليس له نهاية .

أتساءل أيهما يمثله شريف ، قوات أميصوم أم قتلاها من الصوماليين ؟ أم أن قتلى أميصوم أغلى وأفضل من ضحاياهم الصوماليين ؟ بحيث يستحق الأولون التعامل معهم بهذه الحفاوة والمستوى العالي ، هذا ميزان معوج لا يقبله لا عقل ولا منطق ، ولا يقره لا شرع ولا قانون ، وذلك لعمري جور جليّ وإن كان أصحابه يتـشدقون يومياً بأنـهم يمثلون مصالح هذا الشعب

 

صحيح أن القصف المباشر وإطلاق المدافع القاتلة على هؤلاء الأبرياء تـُمارَس من قبل الأفارقة وتـتم بيدهم كما ذكرنا في الفقرة السابقة ، ولكن ماذا نقول لمن يستفز هؤلاء قساة القلب ويطلق عليهم مدافعه وصواريخه وهو يعرف مسبقاً أنهم سيردون ويقصفون وينتقمون من الأحياء المدنية ، وهذا ديدنـهم منذ أن قدموا إلى البلاد ، وبالتالي سـيموت أعداد من الأبرياء إثر كل قصف ينال الأفارقة ؟ أليس هذا مشاركاً في القتل ؟  وإذا أردنا تحقيق نظرة متوازنة ورؤية منصفة للأمور سواء هذه أو غيرها يجب علينا النظر إلى  الأمور ما بين أسبابها ونتائجها ، وكل من اكتفى بنظرة إلى واحدة منها دون الأخرى يدعونا إلى فهم قاصر للأمور وهي من المصائب التي ابتلينا بها في هذا العصر.

يتمثل دور المعارضة باشتراكهم في الجرائم والقتل في مقديشو : 

رفضهم الكامل والنهائي للمصالحة مع الحكومة التي يتزعمها الشيخ شريف وسد الطريق أمام الوساطات والمبادرات التي قامت في هذا الشأن وآخرها المبادرة الليبية، إذاً عدم المصالحة يعني ببساطة استمرار القتال وليس قتالاً شريفاً يواجه فيه الجنودُ الأعداءَ في ساحات الوغى ، وإنما قتال إخوة أشقاء متاريسه وخنادقه الأطفال والنساء والعجزة بين الحارات السكنية ، فهل هذا قتال رجال ؟ وما دام أن المعارضة هي من رفض الحوار والمصالحة مع الحكومة ولا تزال فلتـتحمل وزر ما يحدث من الكوارث لأنه النتيجة الطبيعية لعدم المصالحة .

 إطلاق الصواريخ على الأفارقة الذين بدورهم سيردون بقصف عنيف على الأحياء المدنية والتي ستحصد أرواح العديد من المواطنين في كل مرة ، ألا يعد هذا أيضا مشاركـةً في قتلهم .  هل الخسارة متكافئة هنا عندما نقوم مبادلة إزعاج الأفارقة بقافلة من الأموات لا ناقة لهم ولا جـمل فيما يحدث لهم إلا في حالات نادرة ؟ والسؤال المطروح في هذا الصدد هو ، هل باستطاعة هذا المدعي للمقاومة نصب صواريخه في مواجهة القوات الإفريقية وأمام أنظارهم ثم يطلقها عليهم دون الهروب وإخلاء المكان ؟ طبعاً لا ، والذريعة حفاظاً على أرواح "المجاهدين"، فإذا كان الحال هكذا لماذا لا تـُحافَظ على أرواح المواطنـين الأبرياء كما تحافظ على أرواح "المجاهدين" ، معادلة بسيطة تحتاج إلى فهم بسيط لمن لديه أدنى درجة من الإنصاف والعدالة  ، وأدنى درجة من العلم الشرعي وفقهه ، وأدنى درجة من الإخلاص والتدبيـر السياسي .

  حكومة شريف :

والتي من المفروض أن تكون ممثلاً لهذا الشعب والحامي له والمـدافع عن حقوقه ، ولكنها هيهات ، فكل هذه الآمال المعلقة عليها ذهبت أدراج الرياح إذ لم تستطع تحقيق مطلب واحد من مطالب هذا الشعب بعد مرور قرابة سنة من عمرها ، بل أسوأ من ذلك أنها لم تستطع السيطرة على المليشيات التابعة لها والتي يكتوي المدنيون بنارهم صباح مساء ، ناهيك عن تقديم النفع لهم .

دور حكومة شريف في قتل المدنيـيـن بمقديشو يتمثل بنقطتين هامتين وهما برأيـي :

   إطلاق العنان للأفارقة :

من المعروف أن قوات أميصوم موجودة لحماية هذه الحكومة وبالتالي فعليها مسؤولية ما تفعله هذه القوات إلا في حال إعلانها أنها أي الحكومة تابعة لتلك القوات وليس العكس ، وهنا يفرض العقل والمنطق إيجاد تنسيق وصيغة مشتركة وتشاور مستمر بين أميصوم والحكومة الانتقالية في كيفية رد هذه القوات على الهجمات التي تتعرض لها من قبل المعارضة ، وعدمية هذا التنسيق يعني بطريقة أو بأخرى إطلاق يد الأفارقة ليفعلوا ما يحلو لهم بالمستضعفين في مقديشو ، وكون أن الحكومة الانتقالية لا تسعى لإجراء هذا التنسيق المطلوب مع الأفارقة لتفادي الأخطار المحتملة وعدم تكرار ما حصل منها يجعلها شريكة فـيما تفعله هذه القوات.

 الساكت عن الحق شيطان أخرس :

إذا افترضنا أن الظروف غير مواتية لهذا التنسيق لأسباب كثيرة وغير معلومة لنا مع عدم تسليمنا لهذا الرأي ، فلماذا لا تحتج حكومة شريف ضد هذه المجازر وارتكابها ضد المدنيين ، ولماذا لا تقوم بالانتقاد اللازم ضد هذه القوات في مثل هذه الحالات ، وتطالب بعدم تكرار هذه الأفعال المشينة والهمجية حيال المدنيين، طبعاً هذا إن كان يهمها حال القتلى هؤلاء .

والغريب في الأمر كما يبدو لي أن مسؤولي حكومة شريف لا يقيمون وزناً ولا أي اعتبار لهؤلاء الضحايا بدليل عدم تقديم حتى أبسط الحقوق لهم بعد الممات وهو حق التعزية لهم ، بينما رئيس هذه الحكومة نعى قتلى القوات الإفريقية عندما نالت المعارضة مرتين منهم ،  ولم يكتف بهذا الحد بل هرول بالسفر إلى عواصم تلك القوات ليقدم التعازي الحارة والشفهية فيها ، بينما لم نسمع منه كلمة واحدة ولو الدعاء والترحم عندما يتعلق الأمر بضحايا هذه القوات من الصوماليين ، حتى حامد كرزاي في أفغانستان ونوري المالكي في العراق يحتجان بعض الأحيان ضد الاحتلال الأمريكي إذا ارتكب مجازر ضد المدنيين .

أتساءل أيهما يمثله شريف ، قوات أميصوم أم قتلاها من الصوماليين ؟ أم أن قتلى أميصوم أغلى وأفضل من ضحاياهم الصوماليين ؟ بحيث يستحق الأولون التعامل معهم بهذه الحفاوة والمستوى العالي ، هذا ميزان معوج لا يقبله لا عقل ولا منطق ، ولا يقره لا شرع ولا قانون ، وذلك لعمري جور جليّ وإن كان أصحابه يتـشدقون يومياً بأنـهم يمثلون مصالح هذا الشعب .  ولا أجد هنا  أنسب من قول الشاعر:

وظـلم ذوي القـربى أشـد مضاضة         عـلى المـرء مـن وقع الحسام المـهنـد

إذاً هذا الشعب المسكين بين هذا الإفريقي وبين هذا القريب ، هذا الأفريقي الذي لا يرحمـه ، لأنه ببساطة لا يمت له بصلة لا من حيث الجنس ولا من حيث الدين ، إضافة إلى أنه يـتأسى في أعماله هذه ممثلي هذا الشعب والذين يقومون بالدور نفسه من القتل وسفك الدماء  هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن هذا الأفريقي ليس مزوداً  بالتعليمات والتوصيات اللازمة في تعامله مع هذا الشعب والتي تـمنعه من ارتكاب هذه التجاوزات لأنها لا توجد أصلا في بلاده ولم يزوده أصحاب البلاد الذين جاء للدفاع عنهم بمثل هذا ، أما القريب فهو الذي ضيع مسؤوليـته نحو شعبه سواء المعارضة التي سدت أبواب المصالحة وترى مشكلة في كل حل مطروح ناهيك عن أن تبدع حلاً من قبلها ، أو الحكومة الانتقالية التي لا تفهم ما هي مسؤوليتها نحو هذا المواطن ولا تناضل من أجل تـحصيل حقوقه ، وهل هي قامت من أجل هذا المواطن البسيط والمطلوب الدفاع عنه أم لأجل القوات الإفريقية المدجـجة بالسلاح والمال ، هذه الحكومة التي ليس هم إلا الرحلات المكوكية حوا العالم ومشاركة المؤتمرات والقتال ضد المعارضة .

كثيـر منا بارع في وصف المشكلات المحيطة بنا وإظهار التآمر الذي يجري حولنا ، ولكنه لا يساهم في إيجاد حل لها قيد أنملة إلا حمل البندقية وإطلاق الرصاص فقط ولو كان في غير مكانه، فمثلاً كان أحد أقطاب المعارضة يتهم أمريكا بأنـها لا تريد لهم تطبيق الشريعة وهو تـنظير صحيح إلى حد ما ، ولكنه ماذا فعل ليفوت على أمريكا هذه الفرصة ولكي لا تتحقق رغبتها ،  طبعا فعل ما تريده أمريكا بعينه وهو أن يشن الحرب ضد إخوانه ويتعطل تطبيق الشريعة ، وإذا سألته عن الحل في القضية الصومالية يذهب يبحث عن الغرب بينما الحل نفسه يلوح له في الشرق ، هذا الوصف ينطبق على الذين يزعمون أنهم المعارضة في الصومال حيث لا يجيدون إلا إظهار المشكلات والمؤامرات على هذا البلد،  أما إيجاد الحلول لهذه المشكلات فهو بارح أو سانح عنها (البارح المار عن يمينك والسانح المار عن يسارك) بل وأكثر من ذلك يخلق المشكلات أمام من تراءى له الحل ويريد التقاطه .

وأخيراً هذا حال الصومال عموماً ومقديشو خصوصاً ، مقديشو التي دمرت بأيدي أبنائها قبل أعدائها ، وتئـن من ضربات الأقارب قبل الأباعد ، وتعاني من اعتداءات الأهالي قبل ظلم الدخلاء ، ها هي اليوم تستـنجد وتستغيث بالجميع فقط أن يتـركوها وشأنها بسلام كي تبحث عن الأمن والاستقرار بطريقتها وكي تستعيد شيئاً من بريقها وألقها، ولكن كما عبر  العنوان فهي بيـن بعيد لا يرحم ولا يريد لها استعادة تاريخها ومكانـتها ، وهو جاهل أو يتجاهل ما تستحقه من احترام وتقدير ، وبين قريب أعمته السياسة الفاشلة عن حقوق المدينة وأهلها ، وعن إيـجاد الحلول المناسبة لهذا البلد .

 

تعليقات حول الموضوع

Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى