الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
المرض العضال يصحبهم حتى في الدولة الشيوعية (جولة في الصين) طباعة البريد الإلكتروني
الجمعة, 12 مارس 2010

بكين:(الصومال اليوم) نور عبد الله محمد -القرن الافريقيّ والركن الشرقي من القارة السمراء مستودع الكثير من الثروات لكن سكانه يئن تحت وطأة الصراعات، و الانقلابات العسكرية.

هذا موطن الصوماليين.

بدأت زيارتي الاستطلاعية يوم الأحد من12 سبتمبر عام 2009 بعد يوم واحد من انتهاء الامتحانات الدارسية السنوية لأتقصيّ احوال الصوماليين في بعض المدن الصينية الي ان عدت إلى الجامعة في بداية الشهر الجاري 2010 .

 وعلى الرغم من زيارتي للعديد من المدن الصينية في الصين مثل: خانغ تشو،شيوشن، وجوانغ تشو ، ايوو،ومدن اخري لكن حديثي هنا سوف يتركز على التجار الصوماليين في جوانغ تشو التي يتمركز فيها تجار صوماليون أتو من كل حدب وصوب، مقصدهم شيء واحد هو التجارة.  

 استهللت زيارتي بشنغهاي العاصمة التجارية الثانة في الصين. فلم أجد فيها الا القليل اليسير من رجال الأعمال والتجار الصوماليين وطلبة وسياح.

 من هناك توجهت إلى العاصمة التجارية الثالثة جوانغ تشو الواقعة باقصي جنوب الصين حيث التقيت فيها عدد لايستهان به من التجار الصوماليين و قليل من الطلبة. اولّ ما وصلت بهذه المدينة نزلت في حيّ وسطيّ مكتظ بالسود، كاني في جوهننسبرع  في جنوب افريقيا او ابوجا في نيجريا.

 في التاسعة صباحا نزلت الي السوق مع إخوة استضافوني في المدينة وأنزلوني بيتا لهم لأتقصيّ الحقائق ،وأعرف كيف تجري التجارة، وكيف الصوماليون في هذه المدينة.

 التجارة في جوانغ تشو نشطة فريدة بكل المقاييس فشوارع المدينة مزدحمة بشكل محير يدفع الإنسان للتساؤلات الكثيرة  حول كثرة السكان، شرطة المرور مشغولة لايهدء لها بال في لحظة واحدة خاصة في الساعات الاولي من الصباح والاخيرة من المساء، ثلاثة أو أربعة جسور علي كل شارع لتسيير وتسهيل المرور، وحتي للناس جسورهم المخصخصة.

أرباب الأعمال رجالا ونساء يتقاطرون من كل قارات العالم ومن كل الجنسيات  للوصول إلى جوانغ تشو للتجارة والتسوق، وصوماليون في الصينمنها يرسلون شتى البضائع الي بلدانهم. وفي الساعات المتأخرة من الليل أو السحر تجد اسواقا مفتوحة امام الراغبين للتسوق.

 كما هو حال المغترب في الوهلة الأولي يفرح اذا رأى بني جلدته وأبناء وطنه و يستأنس بهم ويألفهم، لكن سرعان ما تتكشف الحقائق وتفزع عندما تعلم انّ الصورة او التشابه في الشكل ،واللون الأسمر الصومالي هو الذي يجمعهم لا غير .

جوازاتهم مختلفة، فمنهم من يحمل الصومالي لكنة- صومال لاندي كما يدعي- ومنهم امريكي، بريطاني، سويدي، كندي،استرالي،كيني، اثيوبي، جنوب افريقي هكذا جنسياتهم متباينة، لكنهم ينتسبون إلى الصومال- تلك الدولة الغارقة في الفوضي العارمة منذ عقدين.

 رغم انهم صوماليون مغتربون قدموا للتجار في الدولة العملاقة الشيوعة (الصين)- لا تجدهم يتكاتفون ويجتمعون كمنظمة تجارية صومالية، لكن تجارتهم يحكمها قانون الفوضى وتجري على قدم وساق .

 فمكاتب الصوماليين كغيرها في المدينة ان لم تكن أنشط المكاتب فهي من أكثرها نشاطا ،فلو زرت ايّ مكتب لوجدته يزدحم بالزبائن الذين جاءوا من شتى البلدان ،وعندما رأيت هذا المشهد، قلت لنفسي لو انّ الوطن رزق بالأمن لتدفقت هذه الأموال الي البلد-وان شاء الله ستتدفق يوما.

 تعرفت على السيد حسين موسي الممثل الوحيد لشركة المستقبل التجارية في جوانغ تشو،وتحذثت معه قليلا، وعبّر لي سيد حسين عن ارتياحهم وسعادتهم فيما يقومون به هنا، و انهم في تنافس مع غيرهم من التجار،رغم ما لحق بالصوماليين ،ورغم انعدام السفارات اوالقنصليات الصومالية الفعالة في دول العالم ،وتشتت التجار الصوماليين. وأضاف :" بفضل من الله وبجهد من رجال الاعمال  ها نحن نبعث اللوازم الي البلد ولا نستأثر بالأموال على أهلنا في الصومال".  

و التقيت بالسيد طاهر محمد وعبد الله مؤمن وجامع عبد وكثير من الاخوة جلهم من أرباب المكاتب هناك.

قال طاهر كنا شرفاء نجد الترحيب في الصين قبل 2008 ،ولكن بعد ما اختطف قراصنة صومالية باخرة صينية في المياه العالمية المحاذية للصومال ،فعند ذلك شاعت بين الصينيين اذا رأوا شخصا أسود اللون ان يدعوه بـ"قرصان" حتي وان لم يكن صوماليا.

والصوماليون مهما دعوا على القراصنة بالويل والثبور ،ولعنوهم بأغلظ اللعنات إلا أن تحسين صورتهم يحتاج منهم إلى جهود كبيرة .

 فتجار جوانغ تشو في شغل شاغل من البيت الي المكتب ومن المكتب الي البيت وربما يمرّ بعضهم بالمطاعم  ليتغذى أو يتعشى ليس لهم اماكن يلتقون فيها وحتي لو وجدوا ما وجدوا فرصة لتجاذب أطراف الحديث في هدوء أمام المقاهي أو ما يسمى عندهم بـ" فطيكو درر"(fadhi ku dirir) )

 لكن هذا لا يعني أنهم جعلوا أحاديث السياسية عليهم محرمة ، أو أنهم اكتسبوا من أهل البلاد طبائع الفردية وترك السياسة لأهلها، اذ انّه من شبه المستحيل ان تجدّ صوماليا غير راغب في السياسة مهما بلغ من العمر او العلم ، ولذا جعلوا بيوتهم مجالس للسياسة والمنافرات ،فمنهم من يدعم الدولة الصومالية ومجموعة اهل السنة والجماعة الموالية للحكومة ويكاد يضحي نفسة لأجلهما وينتقد من لاينضم ّ تحت لواء مجموعته او يساندها، وكذا يدافع عما تقوم به القوة الافريقية-اميصوم- المتركزة في اماكن معينة في مقدشو.

ومنهم من يساند الشباب ويؤازرهم حتي لو قاموا بما لايرضيه هو،ويورد حزمة من الأدلة لصوابية ما تقوم به حركته، ودائما الحزب الاسلامي في خانة الشباب، يصنفونهما وجهي عملة دخيلة في الصومال، وربما يذهب بعضهم أبعد من هذا . ومن الغريب انّ الذي يطبخ يصيح في المطبح ليأخذ دوره ويدافع مجموعته خوفا من ان يختتموا الموضوع بما لا يرضيه.

همهم الأول هوالعمل التجاريّ ،وربما لا يفكر كثير منهم في أخذ دور دورا فعَّال في احلال السّلام والتعايش السلمي في بلدهم الأم، وتري الحزن باد في وجوه بعضهم تأسفا لما يجري في الوطن.

 عند ما عرفت انهم مولعون في السياسة وشئونها سألتهم ما اذا فكروا يوما في طريقة إحلال السلام في الصومال؟ وما دورهم فيما يجري الان في ساحة الوطن؟

فجاءت ردودهم من هنا وهناك:نحن –كتجار- يعنينا الأمن والسلام مهما كانت الجهة التي تتولى الحكم، كما أنه من مصلحتنا أن يتحكم علينا مجموعة تريد ابتزاز التجار،وتأخذ ما في جيوبهم.

ومنهم من لا يرغب في الإدلاء بصوته ويظهر أمام السائلين في العلن، وكأنه اعتبر بمقولة (وللجدران اذن).كما تجد من يبدي لك حرصه على أنه وطني لا يرضى بالفرقاء ،وأنه يدور مع مصلحة الشعب الصومالي ولا تهمه الفصائل بأي حال من الأحوال.

من جانب آخر، بعض التجار من ارض الصومال يرجعون الأسباب (أي المأساة) إلى الجنوبيين قائلين: لا مطمع للعودة مادامت الأمور تسير على هذا النحو، فان اعادوا الامن وتمكنوا من إحداث الاستقرار فالأمل وارد في التعايش، والتخلي عن الانفصال، اما اذا ما استمرت الفوضي والحروب فانها تُعجِل وتقرب اعتراف دولتنا التي أهملها العالم . والجنوبيون لايهنئون إخوانهم من الاقاليم الشمالية شبه المتنعمة بالسلام بل يطعنونها، والشماليون يدعون انّهم ليسوا بصوماليين.

 فكل يعتز باسحاقيّته(صومال لاند) أوهويّته(جنوبيين) او داروديّته(بونت لاند) الداء المزمن مترسخ في قلوبهم، ولايهتمون بكيانهم ودولتهم الصومالية.

 فقلما تري أصحاب المكاتب ساكنين مع بعض في البيوت الا اذا كانوا منحدرين من عائلة اوسلالة واحدة.

وفي المقالة المقبلة سنتاول تجارة مدينة ايوو ان شاء الله.