|
التغيير والتدمير في ثقافتنا المعاصرة -بقلم محمد معلم أحمد* |
|
|
|
09-01-2010 |
مشكلة التغيير: الكل يسعى للتغيير أو يريده منذ زمن غير قليل من تاريخنا الحديث، ولكن كل واحد منا يريد ذلك بطريقته دون أن يعير اهتماما لما يفكر به الآخر مما جعل الكل يراوح مكانه. إشكالية الغير: يظن الكثير ممن يرفعون شعار التغيير أن غيرهم ممن يسعون للتغيير مثله خونة لا يحبون استقرار البلد لينعم العباد بالسلام، فنشأت من ذلك أشكالية لدى الكثير من الساعين للتغيير وهي (إشكالية الغير)، ماذا عليه أن يفعل أمام من يسعون للتغيير مثله ولكن على غير طريقته؟ أو من يخالفون معه الرأي في بعض الأمور؟ والجواب المفضل لدى أغلبيتهم هو "الإلغاء" بدل "التعاون والتكامل" فأصبح الساعون إلى التغيير جزءا من المشكلة فأساءوا إلى التغيير نفسه، لأنهم جعلوه مشكلة في حد ذاته، وإذ أصبح مشكلة فلا بد من أن ينفر عنه الناس أو على الأقل عدم الاستجابة له؛ فنرى أن أغلب شعبنا اتجه نحو السلبية فيحب تغيير الأوضاع القائمة ولكن دون أن يحاول الاسهام في ذلك حسب طاقته. وهذه الإشكالية (إشكالية الغير) تعني كراهية الآخر أو الخوف منه، وهذا خطيرجدا؛ لأنه في الإساس يعبر عن ضعف النفس، فالكاره ضعيف النفس لأنه يرى من يكرهه أقوى منه وأفضل ولذلك لا نرى في الغالب إنسانا يكره من هو دونه وإنما يكره من هو مثله أو أفضل منه، ودلالة الخوف على الضعف ظاهرة فلا تحتاج إلى دليل. فإذا كان الإنسان ضعيفا وكره شيئا ما أو شخصا ما فإنه يسعى للتخلص منه حتى تخلو له الساحة، أما إذا كان قويا النفس ثابت الجنان فلا يفكر في التخلص من الآخرين وإنما يفكر في جمعهم حوله حتى يكونوا عونا له وإذا رأى غيره أنسب منه للعمل الذي يريد القيام به يقدمه ويتعاون معه لأنه يعلم أن ذلك أفضل له ولغيره من أن يتقدم وهو ليس بأهل للتقدم. التغيير لا التدمير: والحقيقة أن الإسلام يحث على تغيير الأوضاع غير الملائمة إلى ما هو أحسن وأفضل، ويحث من يرى تلك الأوضاع على أن يبادر إلى مباشرة التغيير حسب طاقته دون خوف أو وجل أو ضعف، إلا أن هناك فرقا بين أن تغير الشيء وبين أن تدمره فالتدمير هو الإعدام والإلغاء فإذا لم يمكن ذلك يتحول الأمر إلى الأشخاص الذين تصدر عنهم تلك الأعمال لإلغائهم من الوجود. والتدمير لا يوحي باستبدال الشيء المدمر بشيء آخر عكس ما يفهم من التغيير؛ فإنه يعني أولا أن تأتي بغير الموجود، أو أن تستبدل الشيء بشيء آخر. بمعنى أنك إذا أردت تغيير شيء لا بد من أن تفكر في ملء الفراع الذي ستتركه إزالته. ثم إن التغيير ليس مطلوبا لذاته وإنما يطلب للوصول إلى حال أفضل، فإذا كان لا يؤدي إلى حال أفضل يمتنع التغيير وقد ذكر علماؤنا شروط تغيير المنكر ومنها: ألا يترتب على تغيير المنكر ما هو أعظم منه، ولكن الملاحظ في حالنا الراهنة أن الإنسان قد يأمر بمندوب أو ينهى عن شيء لا يعدو كونه صغيرة من الصغائر فيرتكب الكبيرة التي ربما يكفر الناس من أجل ارتكاب مثلها من أجل إلزام الناس أمره ومن أجل الدعاع عن هيبته. ومن جانب لا يشترط في التغيير أن يطال الأشخاص، فالأشخاص ليسوا منكرا ولا يلزم تغييرهم في كل حال، وإنما يكفي أن تتغير تلك الأوضاع غير الملائمة التي تستدعي التغيير أو ما نطلق عليه (المنكر)، ولكن يبدو أن كثيرا من الساعين للتغيير في مجتمعنا لم يدركوا ذلك فأصبح همهم تغيير الأشخاص قبل تغيير الأوضاع ودون التفكير في البديل. فنحن نعاني إشكالية المواءمة بين التغيير والتفكير في البديل، والمواءمة بين تغيير الأوضاع وتغيير الأشخاص. فالكل يفكر في تدمير وإلغاء كل ما لا يرغب فيه سواء كان حسنا في ذاته أم لا، دون أن يفكر فيما ستكون عليه الحال بعد ذلك، كما يفكر في إزاحة الآخر حتى وإن كان مستعدا للتغيير المطلوب. والدليل على هذا أن أغلب الصوماليين كانوا يصفقون لتغيير النظام الدكتاتوري ولكن لم يفكروا في خليفته كما يبدو، فما إن انهارت الحكومة حتى بدأوا بالنهب والقتل والتدمير وانتقام كل واحد ممن استطاع الوصول إليه، فدخل البلد فترة حرب لا نهاية لها، وكل محاولات المصالحة ولم الشمل وتكوين حكومة وحدة وطنية باءت بالفشل. ولو اتفق المتناحرون على تشكيل حكومة مشتركة - ولو باحتكار جميع المناصب لأنفسهم – لكان ذلك أفضل مما عانيناه من الفراغ السياسي في تلك المدة المديدة ولحصلوا على أفضل مما يدمرون لأجله وطنهم ولكن لا يعلمون. مصدر العقلية التدميرية: والسؤال الذي يطرح نفسه من أين نشأت هذه العقلية التدميرية؟ وهل هناك أسباب موضوعية كانت وراءها؟ لا شك أن هذه العقلية التدميرية ليست عقلية صومالية ولا يمكن أن يوجد لها سند في أعراف الصوماليين ولذلك نرى الشاعر الكبير محمد غعل حايو يخصص لهذه الظاهرة قصيدة من قصائده وجهها إلى الشباب الصومالي الذي اعتاد على بعض الممارسات التي لم يعرفها آباؤهم وجعل عنوان القصيدة (سؤال مفتوح Su'aal furan) بمعنى أنه لا بد من أن يفكر كل واحد في الإجابة، وأنه إذا فكر فيها سيعرف أن هذه الممارسات ليست من عادات الشعب الصومالي. يقال أن الإنسان إذا كثر الضغط عليه تنشأ عنده عقلية انتقامية فيحاول أن ينتقم من كل شيء - ربما حتى من نفسه - فلا يأتي على شيء إلا ويدمره، ولذا من الممكن أن الضغط الذي مارسته الحكومة الشيوعية والحرمان الذي عاناه الأغلبية ولَّد عند الكثيرين حب الانتقام، كما ولد ذلك الضغطُ الخوف من الدولة. يضاف إلى ذلك أن الاستبداد يولد الخوف من الآخر لدى من مورس عليه الاستبداد، وعند ما بدأت الحرب الأهلية على هذه الحال أصبح الكل يخاف من أن يصل إلى الحكم غيره فيمارس عليه الاستبداد الذي عاناه فترة طويلة ففكر في أن يكون هو المستبد الظالم ولا يكون المظلوم، بمعنى أن الكل متفق على الظلم وإنما الاختلاف فيمن يكون ظالما ومن يكون مظلوما كما قال الشاعر العربي الجاهلي زهير: ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم.
حلقة مفرغة: هذه الحالة وضعت البلاد في حلقة مفرغة مما ولد اليأس لدى الكثيرين، ومن رحم اليأس خرج الغضب الكلي على المجتمع وإلقاء تهمة الكفر عليهم مما جعل فئة قليلة تحتكر الدين وتتهم الآخرين بأنهم مارقون منه لأنهم خالفوهم في رأيهم في الإصلاح السياسي، وإذا كان هؤلاء مارقون من الدين فلا بد من محاربتهم وتطبيق أحكام الإسلام عليهم وعلى من وافقهم في الرأي. ومن هنا بدأت الحرب بين الإسلاميين، وهي أخطر حرب عرفتها البلاد حتى الآن لأن الحروب السابقة وإن كانت فتنة إلا أن الأطراف كانوا يعلمون ويعترفون بأن ما يفعلونه غير صحيح وأنهم على خطإ كبير، فكانت دعوتهم إلى الطريق الصحيح أسهل ممن يفعل الفعل نفسه ويتقرب به إلى ربه. كان يكفي للسابقين مجرد الاتفاق على المصالح السياسية التي تم الاختلاف عليها لتوحيد صفهم، أما هؤلاء الجدد فلا يكفون عن فعلهم إلا إذا غلب أحدهم على الآخرين؛ لأنه يرى ما يفعله عبادة يستحق عليها الأجر والثواب بل يراه واجبا هو مطالب بالقيام به فلا يجوز له التخلف عنه، ومخالفه ليس مجرد مخطئ وإنما هو مارق من الدين يجب إراحة العباد والبلاد منه، والنتيجة هي تدمير البلاد وإهلاك العباد تقربا إلى رب العباد وهذا خطأ كبير. المخرج: وللخروج من هذا المأزق لا بد من التكاتف للإنقاذ البلاد والعباد من العبث الفكري والسياسي الذي يحصدهم حصدا من كل النواحي، وأوصي الجميع: تقبل الغير واعتباره سندا لا عدوا واعتبار الخلاف إثراء للرأي لا أكثر إذا كان في حدود الاجتهاد المقبول. التفكير في البديل قبل الإلغاء والتدمير فإنك إذا دمرت سوف تبدأ من الفراغ، ولكن إذا غيرت سوف تبني على ما سبق وهذا هو الفرق بين التدمير والتغيير. التفكير في خدمة المجتمع قبل الاعتلاء على كرسي الحكم، فالذي يصل إلى الحكم بخدمة الناس فإن الناس سوف يعاونونه في حكمه، ولكن الذي يصل إلى سدة الحكم على جماجم الرجال وأرواح الأبرياء فماذا ينتظر من الشعب؟ إنه لن يجد منهم إلا اللعنات. على العلماء _ في جميع ميادين العلم – التفكير في حل هذه الإشكالية العقلية عن طريق نشر الوعي والعلم. توعية الشعب على أهمية أن تكون للبلد قيادة موحدة. السعي لأن تكون قيادة البلد تتحلى بروح الصبر والمصابرة وقبول الآخر.
* كاتب صومالي
|
(2) -
شكرا للأخ الباحث على بيان هذه المسألة المهمة والتي التبست علينا،حيث نقدم الفروع على الأصول والثانويات على الأولويات .وأضيف الحلول التي اقترحها الاخ-جزاه الله خيرا-أن كثيرا منا يعتقدأن المشاكل كلها جاءت من الخارج،وبالتالي ينتظر الحل من الخارج أيضا ، وهذه ليست صحيحة
100% ،بل إن عدونا يستقل الأوضاع والفرص التي نحن نصنع ونسبب بأيدينا،ولن الحل إلا أن نصلح أنفسنا أولا إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا مابأنفسهم
لله درك يا محمدأستاذ لقد صدقت بمقالتك هذه وإن كانت قليلة لأنّ هذا الموضوع الذي تطرقت فيه يحتاج إلى كتابة طويلة ووقت، أرجوا إن شاء الله في المستقبل القريب أنك ستكتب حول هذا الموضوع كثيراً يبلغ بغايته القصوى. جراك الله خيراً.
1
الصفحه 1 من 1 ( 2 تعليقات القراء )