المزيدAdvertisement الصومال فى سطور
ندوةجريدة الاهرام مقالات د. أحمد إبراهيم Advertisement 
الصومال..عنف بلا حدود (1) بقلم عبد العزيز عرتن طباعة ارسال لصديق
08-12-2009

Imageفي الصومال ارتكبت الكبائر ، واستبيح المحرمات ، ووقع ما لم يكن في الحسبان ، وكل حدث يهون أمام سابقه ، والقادم ربما يكون أسوأ وأفظع ، أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تنطبق علينا بكل ما لها من دلالات كحديث "لا يعرف القاتل لماذا قًتل ، ولا يعرف المقتول لماذا قُتل" .  أين نحن مما يجري في بلدنا ؟ إلى أين نحن ذاهبون ؟ لماذا كل هذا ؟ هل له تفسير أو تعليل ؟ لا يعني هذا أن نيأس ، لأن اليأس ليس من شيم المسلم.  سأحاول فتح عدة ملفات متفرقة تحت عنوان "الصومال ، عنف بلا حدود" في الأيام القادمة في هذا الموقع المبارك.

ضحايا تفجـير مـقديشو زرعوا الأمل في نفـوسنا

الحمد للّه حق حمده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبـعد

إنا لله وإنا إليه راجعون ...

في جلّ أيام مقديشو السوداء الكالحة ، كان يُخـطط لذلك اليوم  (الخميس 03/12/2009) أن يكون مختلفاً وأن يكون مشرقاً إلى نهايته كما بدايته ، في تخريج دفعة جديدة من طلبة كلية الطب في جامعة بنادر وتوزيع الشهادات لهم في فندق الشامو في مقديشو .  إلا أنه كان لآخرين تخطيطٌ وحسابٌ آخر بحيث يجب حسب تخطيطهم استمرار الاسوداد والأحزان والكآبة وكل مشهد له صلة بهذه المشاهد على مقديشو خصوصاً والصومال عموماً .

خلال لحظات تحول كل شيء من الأحسن إلى الأسوأ ، انقلب الاحتفال إلى مأتم ، والأفراح إلى أتراح ، والتهاني إلى تعازي ، والابتسامة إلى عبوس وكآبة ، وتـزيـيـن المكان بالزهور والرياحين إلى أشلاء الأجسام المتناثرة هنا وهناك ، وتوشحت الأرض بدماء الأبرياء ، وتحول النظام والترتيب والانضباط إلى فوضى وهرج ومرج ، وأخيراً غلب الاسوداد والسوداوية على البهجة والسرور .

لماذا قتل هؤلاء ؟

لم يكن الهدف من الانفجار قتل شخص بعينه ، وإنما كما قال الزميل مهدي حاشي في مقاله حول الموضوع كان الهدف " قتل الأمل والمعرفة " ، وعبـر الزميل أنور ميو " قتل الأمل والتعليم " في الصومال ، يعني قتل الشعب بأكمله ، قتل قطاع التعليم ومن يقوده وإبقاء البلاد ترزح في بحور من الظلمات .  لأن التعليم يعني الحرية ، والحر لا يستسلم لأعدائه الهادفـين إلى إعدامه أو تصفية قضيته .  كان الهدف تدمير قطاع التعليم وكوادره ، لأن جهود هؤلاء منصبة على محو الأمية والنهوض بالتعليم كي لا يبقى الصومال مأوى الجهلاء وتحت رحمة الجهال .  لم يكن الهدف قتل شخص أو شخصين لأن الحضور كان كـثر من المسؤولين وأساتذة الجامعة والطلاب الخريجـين وأولياء أمورهم والصحفيـين وجمع غفير من المواطنـين ، وهؤلاء هم البـناة الحقيقيون لصومال المستقبل أو على الأقل مقديشو المستقبل ، كان فيهم الأمل في هذا الزمن الأسود والكئيب على الصومال الجريح .

تشبثوا بالأرض حين هرب الآخرون وقاوموا المخطط الهادف لإفراغ الصومال عن مواطنيه، أو عادوا إليها حين طاب العيش والملاذ للآخرين في مهاجر الشرق والغرب ، كان المستهدَفون ( بفتح الدال ) يصارعون الجهل والفقر ، قلة الوعي وقلة الوطنية ، ينشرون القيم الفاضلة الصالحة كالصبر والثبات ،  كانوا يزرعون الأمل في نفوس الفارين والمتشبثين بالبقاء للعودة إلى بلادهم ، كانوا يرفعون مشاعل الأمل والنور بيد والكتاب والقلم باليد الأخرى ،  كانوا يرمون إلى رفع صوتهم والتلويح بيدهم لإبلاغ الآخرين بأن في مقديشو المتهالكة والمدمرة والمستهدَفة بقية حياة، حياة لكنها صعبة ، صعبة لأن فيها كفاحا وكد اوتحمل شدائد كثيرة ، ولقمة العيش في مثل هذه الحياة لها مذاقها وطعمها الخاص.

وفوق الكفاح والكد والتحمل والصبر كانوا يتخندقون في الصفوف الأولى للدفاع عن أرض مسخ أهلها ، أو مات أصحابها بطرائق شتى ، حضوراً أو غياباً ، غرقاً في البحار والمحيطات ، أو ضياعاً في الصحارى ، أو انتهاءً في بطون السباع المفترسة البشرية أو الحيوانية ، وكان هدف هؤلاء المرابطيـن  النهوض بشعبهم ،  ونفض الغبار عن المدينة التي كانت تلقب ذات يوم جـوهرة المـحيط الهندي ويزرعوا الأمل فيها للجميع .

علم لا يوجد في الكتب :

علّمنا هؤلاء المستهدَفون علماً لا نجده في الكتب ، وهو أن هناك وفي مقديشو من يصر في مقاومة حياة القتل والموت والاغتيال والدمار ، ويرمي إلى الـبناء بدل التدميـر ، ويهدف إلى الإنقاذ بدل الإغراق ، لأن سبب استهدافهم من قبل قاتليهم هو كونهم مقاومين ، وإلا كيف تلجأ قوة ما في تصفية خصومها دون الخوف والضجر منه.  بمعنى لو لم يكونوا مقاومين بطريقتهم الخاصة لما تعرضوا لهكذا تفجير ولم يستهدفوا بهكذا استهداف من قاتـليهم !

من قتلهم ؟

لا أقصد تحديد شخص بعينه رغم ما يعتلج في نفسي من قناعات شبه يقينية ، لأن الحقيقة الكاملة عند الله وحده الذي يعلم خائـنة الأعـين وما تخفي الصدور . ولكن ما أرمي إليه هو تصوير الحالة التي قتل فيها هؤلاء الأبرياء . وأقول :

·     قتلهم العنف الدائر في بلدهم منذ عقدين من الزمن والذي أكل الأخضر واليابس.

·     قتلهم كل من أجج أو ساعد في استمرار هذا العنف بكلمة أو رأي أو فكرة.

·     قتلهم كل من تلكأ أو تردد عن المطالبة بوقف هذا العنف واستنكاره والتنديد به.

·     قتلهم كل عالم أو مفكر أو داع أو مثقف سكت عما يجري في البلد.

·  قتلهم كل من أصدر فتاوى معلبة وجاهزة غير مسؤولة وغير علمية وغير مبنية على الإخلاص والورع ، يرمي خصمه السياسي بالكفر والعمالة والخورجة لتبرير استباحة دمائهم ويتوعدهم بالويل والثبور .

·  قتلهم كل من أقنع القاتل المباشر لقتلهم سواء صحت رواية الانتحاري أو رواية القنبلة الموقوتة .

·  قتلهم كل من سمـم وشحن الأجواء الصومالية بالكراهية والبغضاء ليحدث ما يحدث نتـيجة لذلك.

روى أبو داود وحسنه الألباني عن جابر بن عبد اللّـه رضي الله عنه قال خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجّـه في رأسه فاحتلم ، فسأل أصحابه فقال هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ قالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال " قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي – الجهل – السؤال ".

لم أورد الحديث لأناقش الدلالات والمعاني الفقهية للحديث وما يتعلق بالوضوء والجنابة والتيمم وليس مكانها هنا ، ولكن هو تأكيد ما أرشدنا إليه رسول الله من عدم إصدار الفتاوى من هذا النوع التي تملأ اليوم ولسوء الحظ  الساحة الصومالية ، وبيان ما تؤدي إليه من الفتـن والدمار والقتل الأعمى للنفوس البـريئـة .  وإسناد الرسول صلى اللّه عليه وسلّم قتل الصحابي إلى الصحابة له دلالته مع أنـهم لم يقتلوه بسلاحهم بل لم يريدوا قتله أصلا .

إذاً يجب علينا عند بحثنا عن المسؤولية ألا ننشغل فقط بصاحب المسؤولية المباشرة المحدودة، أو صاحب اللمسات الأخيرة فقط ، ولكن يجب الالتفات إلى الأجواء التي تمت فيها عملية الاستهداف لهؤلاء الأبرياء الشرفاء أو غيرهم من ضحايا الصومال .  ونسأل من مهندسها؟ ومن مساعده ؟ وهي بالتأكيد أجواء شارك فيها كثيـر منا وخاصة الذين يزعمون المعارضة إن لم يتحملوا المسؤولية المباشرة الحقيقية .

والغريب في الأمر أن البعض قاموا بتسميم الأجواء ورموا الحكومة وأعضاءها بالكفر والعمالة وتوعدوا باستباحة دمائهم ، ثم عندما تحدث الكارثة ويقع الفأس على الرأس بسبب فتواه يـبدي هذا المفتي العجيب أسفه أوينفي علاقته ومسؤوليته عما حدث ،  مع أن الجميع شارك في تسميم الأجواء .  ماذا ينفع استنكارهم واستياؤهم الآن بعد حدوث ما حدث؟ كم هو تناقض فاضح ومفضوح ؟ وكيف نوفق به هذين المسلكين؟ وألا يعتبر كل إنسان لا يستطيع رؤية مآلات أقواله وأفعاله فاقد الأهلية ؟.

أليس سبب هذا القتل هو ثقافة القتل والكراهية التي زرعها البعض منا ؟ وإشاعة الحقد الذي سعى إليه ؟ إذاً فليتحملوا المسؤولية بشجاعة وبـنفس الرجولة التي أصدروا فيها الفتاوى.  يقول أحدهم : قتلهم أي الضحايا تفجير مقديشو " أعداء الأمة" ناسياً أو متناسياً دوره في تأجيج الأحقاد والانتقام ، وتهيئته للأجواء المناسبة في مثل هذه الأعمال، ودوره في زرع الحقد والكراهية وإصدار الفتاوى القاتلة والمفصلة على حسب الأهواء والأشخاص . حتى لو كان الفاعل إسرائيل أو إثيوبيا أو القاعدة كما قيل لنا مع عدم قبولنا لهذا الاستخفاف في العقول فإن المسؤولية تقع على المتصارعين الصوماليين .

وللحديث بقية

 
تعليقات القراء

شكراً للأخ عرتن على هذا المقال، والحقيقة كلنا نتحمل المسئولية في كل ما يحدث في بلدنا لأننا بصفة أو بأخرى شاركنا في العنف والدمار الذي يحدث، ولكن المسئولية الكبرى تقع على ورثة الأنبياء، العلماء، فبعضهم أصدر فتاوي ارتجالية لم يتحر فيها ولم يبحث عن دليلها الشرعي والبعض الآخر هاجر وترك البلاد.
وتذكر المؤتمر الأول لعلماء الصومال بقيادة الشيخ الدكتور بشير أحمد صلاد حفظه الله بعد انتخاب الشيخ شريف رئيسا للصومال في جيبوتي، فبدلا من حقن الدماء وإصلاح ذات البين بين الصوماليين، وخاصة ما يسمى بالإسلامين، أصدروا بفتوى عدم التعامل مع حكومة الشيخ شريف، بل إن بعض العلماء قدم العاصمة مقديشو من الخارج وفور وصوله عقد مؤتمرا صحفيا وأفتى بردة الحكومة الصومالية ووجوب محاربتها. فما يحدث الآن هو تنفيذ فتاويهم، فحري بالعلماء الصوماليين أن يتداركوا الأمر وينزلوا إلى الشارع وأن يأخذوا دورهم وألا يخافوا في الله لومة لائم.

مرسلة من أرويلو, على 12/10/2009 في 11:57

 1 
الصفحه 1 من 1 ( 1 تعليقات القراء )

انت لم تأذن لمغادرة تعليقات.