|
وقفات وأحكام مع شهر رمضان (2). بقلم/ هارون عبد الرحمن شيخ * |
|
|
|
26-08-2009 |
الوقفة الخامسة: هديه صلى الله عليه وسلم في الصيام.
الصوم لجام المتقين، وجُنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر العبادات والأعمال لقوله: "فإنه لي وأنا أجزي به".([1]) ولما كان شهر رمضان المبارك من أجلِّ مواسم الإسلام وأعظمها، ومن أكثر فرص العبد ليتقرب من خالقه، وينال رضاه باتباع نبيه صلى الله عليه وسلم كانت الحاجة ماسة للتعرف على هديه في الصيام، والتذكير بشيء من صفات صيامه، وبيان حاله، ومن أبرز ما يتعلق بذلك ما يلي:أولاً: أنه كان يكثر العبادات في رمضان، يكثر الصدقة والإحسان إلى الناس، حتى كان أجود بالخير من الريح المرسلة، ويكثر تلاوة القرآن، حتى أن جبريل كان يدارس معه القرآن كل ليلة، وكان يكثر الصلاة، والذكر والاعتكاف، وكان يخص في رمضان من الاجتهاد مالا يخص غيره من الشهور، حتى إنه كان يواصل أحياناً، فيصل اليوم باليوم بلا فطر ؛ ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة، إلا أنه كان ينهى أصحابه عن الوصال معللاً ذلك بأنه ليس كهيئتهم وأنه يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه.([2])ثانياً: أنه كان يعجل الفطر قائلا: " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر".([3])ويؤخر السحور وكان يتناوله قبل آذان الفجر الثاني بقليل قائلا: "إنها بركة أعطاكم الله إياها فلا تدعوه"([4]) وما نشاهده في مجتمعاتنا من ترك السحور، أو تقديمه إلى منتصف الليل لقصور واضحٌ، ومخالفة لهديه صلى الله عليه وسلم، وترك للإرفاق بالنفس.ثالثاً: أنه كان يفطر قبل أن يصلي، يفطر على الرطب فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد فعلى الماء يقول أنس رضي الله عنه "كان رسول الله يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن حَسَا حَسَوَاتٍ من ماء".([5])وهذا الحديث دليل على تواضع إفطاره صلى الله عليه وسلم، وما نراه في بعض البيوت من توسُّع الملذات وتنويع الأطعمة في موائدها أثناء الإفطار حتى أنه ليثقّلُ عن الطاعة، ويفتِّرُ عن العبادة، لإسراف مخالف عن مقصود الصيام من ترويض الروح والجسد على مواجهة الشهوات، فعلينا الاعتدال بالإفطار، وألا نتيح الأنفس التمادي في الشهوات، حتى ننشط في العبادة، ونستثمر في هذا السوق والموسم العظيم.رابعاً: أنه كان يدعوا عند الإفطار ويثني على الله قائلا: "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى".([6]) وكثير منا يتشاغل بالطعام في هذا الوقت عن الدعاء والتضرع إلى الله، وهي اللحظات التي يرجى استجابة الدعاء، فعلى المسلم الاستغلال بها.خامساً: أنه كان يَسْتاكُ حال الصيام لما روي عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه أنه قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك وهو صائم".([7]) والظاهر أن استياكه كان طوال اليوم، وأنه لم يكن يفرق بين أول النهار وأخره.سادساً: أنه كان إذا أدركه الفجر وهو جنب من أهله أن يغتسل بعد الفجر ويصوم، لحديث أم سلمة رضي الله عنها: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم".([8])سابعاً: ومن هديه أنه كان يصب الماء على رأسه عند اشتداد الحر وهو صائم، لقول أبي بكر بن عبد الرحمن عن رجل من الصحابة قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعَرْج في الحر، وهو يصب على رأسه الماء - وهو صائم - من العطش أومن الحر".([9]) ويلحق بهذا عموم الاغتسال، وبلِّ الثوب، والانتفاع بالماء، وكل ما يخفف العبادة على الشخص من أجهزة للتبريد كالمراوح، والمكيفات وغيرهما في هذا العصر.الوقفة السادسة: حال السلف في شهر رمضان.لقد حرص السلف الصالح رحمهم الله تعالى على إكثار الطاعات والقربات خلال هذا الشهر المبارك، والاستفادة منه في تهذيب النفوس، ونشر الخير والفضيلة، ومحاربة الشر والرذيلة بشكل أفضل ومن ذلك:أ- قراءتهم للقرآن في رمضان.فهم السلف أن وظيفة شهر رمضان الكبرى هي الاعتناء بالقرآن، وأن أعظم مقاصده تصفية الفكر لأجل فهم القرآن، وذلك لأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن العظيم {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(البقرة:185). ولا غرو بعد ذلك أن يقال عن رمضان إنه شهر القرآن. سئل الزهري رحمه الله عن العمل في رمضان فقال: "إنما هو تلاوة القرآن، وإطعام طعام".وكان الإمام الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادات غير الواجبة، وأقبل على تلاوة القرآن. وحكى ابن عبد الحكم عن الإمام مالك: أنه كان إذا دخل رمضان فرَّ من مجالس العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف. وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة، يقرؤها في غير الصلاة، و عن أبي حنيفة نحوه. ([10])وعن النخعي رحمه الله أنه قال: " كان الأسود بن يزيد يختم القرآن في رمضان في ليلتين، وكان ينام بين المغرب والعشاء، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليالٍ".([11])وكان الوليد بن عبد الملك يختم في كل ثلاثٍ، وختم في رمضان سبع عشرة ختمة".([12]) وقال الذهبي في ترجمة هبة الله بن محفوظ: "تفقه وقرأ القرآن وله صدقة وبرٌّ، وكان ختم في رمضان ثلاثين ختمة".([13])
ب- جودهم وكرمهم في رمضان.إن جود الله وكرمه على العباد يزداد في شهر رمضان، وهو يحب من عباده أن يجودوا في هذا الشهر الكريم، وعلى هذا فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسارع إلى الجود والعطاء في هذا الشهر الفضيل، كما جاء في الحديث المتفق عليه: "كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ..."وتنافس السلف الصالح رحمهم الله تعالى نحو العطاء في هذا الشهر المبارك تأسياً به صلى الله عليه وسلم، فكان لهم مواقف ميمونة نحو هذا السبق ومن تلك المواقف ما يلي:كان ابن عمر رضي الله عنه إذا جاءه سائل -و هو على طعامه- أخذ نصيبه من الطعام، و قام فأعطاه السائل، فيرجع و قد أكل أهله ما بقي في الجفنة، فيصبح صائماً و لم يأكل شيئاً. و اشتهى بعض الصالحين من السلف طعاماً و كان صائماً، فوُضع بين يديه عند فطوره، فسمع سائلاً يقول : من يقرض الملي الوفي الغني ؟ فقال: عبده المعدم من الحسنات، فقام فأخذ الصحفة فخرج بها إليه، وبات طاويا.وجاء سائل إلى الإمام أحمد، فدفع إليه رغيفين كان يعدهما لفطره، ثم طوى و أصبح صائماً. وكان ابن المبارك يطعمُ إخوانه في السفر الألوان من الحلواء و غيرها، و هو صائم. سلام الله على تلك الأرواح، ورحمة الله على تلك الأشباح، لم يبق إلا أخبار و آثار، كم بين من يمنع الحق الواجب عليه، و بين أهل الإيثار !!. ([14])لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم *** ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد. والجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة كما ورد في الحديث: "إن في الجنة غُرفاً، يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله ؟ قال: لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام".([15])
ج- أخلاقهم في رمضان.إذا كان تحصيل التقوى هو الأثر الباطن لإقامة فريضة الصيام، فإن حسن الخلق هو الأثر الظاهر لها، ولهذا ينبغي أن يرى الصائم ساكناً أليفاً تعلو عليه السكينة والوقار، وحقيقة حسن الخلق كما قال الحسن البصري رحمه الله هو: بذل المعروف، وكف الأذى، وطلاقة الوجه.وانطلاقاً من هذه المعاني فقد كان السلف يتصفون بالصفات العالية طوال العام، وفي هذا الشهر خاصة، امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يَدَع طعامه وشرابه".([16])يقول عمر رضي الله عنه "ليس الصيام من الطعام والشراب وحده، ولكنه من الكذب، والباطل، واللغو، والحلف".([17])ونقل عن جابر رضي الله عنهما انه قال: إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع آذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء".([18]) وقال مجاهد رحمه الله: "خصلتان من حفظهما سلم له صومه: الغيبة، والكذب".([19]) وعن أبي العالية أنه قال: الصائم في عبادة مالم يغتب أحداً وإن كان نائماً على فراشه.([20])وأخيراً ينبغي للصائم أن يتحلى بالصفات الحميدة، كالصبر، والحلم، والأناة، والصدق والعدل، وأن يجاهد نفسه على ذلك، كما ينبغي أن يبعدها عن الأخلاق الذميمة، كالكذب، والخيانة، والإيذاء باللسان، والغيبة، والنميمة، والشح، وقطع الأرحام وغير ذلك.نسأل الله تعالى أن يحفظ صيامنا، وأن يوفقنا لأدائه كما يحب ويرضى، وأن يعيننا على ذكره وشكره إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.* باحث في الجامعة الإسلامية- بالمدينة المنورة.
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته
|
(1) -
يعطيك العافية ما احسن وما اروع هذه اللقطات الايمانية التي اوردها لنا الدكتور هارون
1
الصفحه 1 من 1 ( 1 تعليقات القراء )