|
الإفتاء وقضية الإصلاح الاجتماعي بقلم عبد القادر حاجي محمود *. |
|
|
|
11-08-2009 |
ورقة بحثية مقدمة إلى / المؤتمر الأول لدار الإفتاء العالمية
الإفتاء وقضية الإصلاح الاجتماعيتوطئة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ،والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد المبين للناس ما نزل إليهم والهادي إلى صراط مستقيم وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين أما بعد:فالإفتاء منصب شريف، ومقام سام ٍ،فأسند ه الله - سبحانه وتعالى - إلي نفسه إسناد َ تشريف وتعظيم لقدره، فى موضعين من القرآن الكريم ، قال الله تعالى: "ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن...."([1]) وقال الله تعالى:" يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة..."([2]) أي يفتيكم في شأن النساء وشأن الكلالة، ويبين لكم بأجلى بيان وأحكمه ما تجهلون من أحكامهما. ويقضي بينكم بالعدل الذي لا يحوم حوله باطل. وفي تقديم لفظ الجلالة في الآيتين تنويه بشأن هذه الفتيا، وإشعار بوجوب التزام ما تضمنته من أحكام ؛لأنها من العليم الخبير.([3])فتولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الإفتاء والقضاء وغير هما من مناصب جليلة ، وحمل من بعده لواء الإفتاء صحابته الكرام- رضي الله عنهم - كل على قدر طاقته من الفهم والاستنباط ، فمنهم المكثرون من الإفتاء مثل عبد الله ابن عباس، ومنهمم المتوسطون مثل معاد ابن جبل، ومنهم المقلون مثل أبي بكر الصديق مع سموّه وعلوّ منزلته من بين الصحابة ، إلا أن الذين تصدروا للفتوى من الصحابة كانوا نحو 150صحابيا كما ذكره الشيخ ابن القيم في كتابه" إعلام الموقعين عن رب العالمين" ، وهم يمثلون فقهاء الصحابة الذين توافرت فيهم ملكات وعلوم زائدة على مجرد الصحبة النبوية الشريفة، مع أن الذين رأوا النبي - صلى الله عليه وسلم- ، وعاشوا معه ، وآزروه ، ونصروه من الصحابة ، قد وصلوا إلى حوالي 124000(مائة وأربعة وعشرين ألفا)([4]).وظل هذا المنصب موجودا في الأمة ،منذ عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وعصر صحابته- رضوان الله عليهم- ثم عصر التابعين وتابعي التابعين، فمن بعدهم إلى يومنا هذا، فتركوا لنا تراثا فقهيا أصبح ثراء فقهيا ونبراسا للتجديد والإصلاح عبر العصور، ولله الحمد. فهم - حقا حاملوا لواء التجديد في الأمة. وللفتوى مكانتها وشروطها في الفقه الإسلامي، وكان السلف يتوقف عن الفتوى فلا يجيب ويحيل إلى غيره أو يقول :( لا أدري)، وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : "أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار" وكانوا أيضا ينكرون أشدّ الإنكار على من اقتحم حمى الفتوى ولم يتأهل لها ، ويعتبرون ذلك ثلمة في الإسلام ومنكرا عظيما يجب أن يمنع([5]).وعن ابن عباس ومحمد ابن عجلان- رضي الله عنهما- :" إذا أغفل العالم "لاأدري" أصيبت مقاتله"، وعن الشعبي، والحسن، وأبي حصين،قالوا:"إن أحدكم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمربن الخطاب - رضي الله عنه- لجمع لها أهل بدر"، وعن سفيان ابن عيينة ، وسحنون:" أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما"، وقال الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- في هذا المضمار:" ما رأيت أحدا جمع الله تعالى فيه من آلة الفتيا ما جمع في ابن عيينة أسكت منه عن الفتيا"([6]).وينبغي أن يكون المفتي أو الفقيه الذي يقوم مقام النبي - صلى الله عليه وسلم- ، بل يوقّـع عن رب العالمين – جل شأنه- على قدر كبير من العلم والفقه بالنصوص الشرعية والدراية بدلالات الألفاظ مع البصيرة والإدراك بالواقع بالإضافة إلى ملكة الفقه والاستنباط.إلا أن هناك أزمة في الإفتاء ظهرت في الآونة الأخيرة، هذا يجيز وهذا يمنع دون مراعاة لمنهجية الفتوى ،بل دخل التسيّب والتشدّد في المسائل الاجتهادية التي هي من الظنيات التي تتغير الفتوى فيها بتغير الأشخاص والأحوال والأعراف والأزمنة والأمكنة، مما جعل البعض يمنع الرأي والفكر وإن كانت المسألة من القضايا المعاصرة التي يجوز فيها الاجتهاد ، فللمصيب فيها أجران وللمخطئ أجر واحد ، ومما زاد الطين بلة أن البعض الآخر جعل المسائل الظنية الاجتهادية قطعيات ،مثل قضايا عقدية سواء بسواء، فهذه قماءة فقهية ، وجهل بالنصوص أو غفلة عنها أو سوء التأويل، وفهم النص( القرآن والسنة) على غير وجهه اتباعا لشهوة أو إرضاء لنزوة ، أو حبا للدنيا أو تقليدا أعمى للآخرين.ولذا يلزم على المتصدرين للإفتاء فقه النصوص الشرعية بآليات الاستنباط ، وكذلك فقه الواقع بعوالمه الأربعة: عالم الأشخاص، عالم الأحداث ، عالم الأفكار ، عالم النظم. وكذلك فقه الربط بينهما([7])، تحقيقا للمقاصد الشرعية ، وإقامة لمصالح الدين والدنيا ودفعا لمفاسدهما"فدرء المفاسد مقدّم على جلب المصالح"، صونا للحقوق، وهي أربعة: حق الله على العباد، وحق لكل عبد على نفسه، وحق لبعض العباد على البعض، وحق للبهائم على العباد، وهي مقسمة إلى فرض عين، وفرض كفاية، وسنة عين وسنة كفاية.([8])إن محل الفتوى الاجتهاد بصفة عامة والاجتهاد له صور متعددة منها القضاء والبحث الفقهي والفتوى فالاجتهاد لابد أن يصدر من أهله ، والاجتهاد يكون فيما هو ظني من الأحكام و ليس من القطعيات حيث لا مجال للاجتهاد في القطعيات؛ لأنها تمثل الثوابت الشرعية وهذه دائرة مغلقة. وقال فضيلة الدكتور يوسف القرضاوى: إن حوالي 95 % من أحكام الشريعة ظنيات وتعد دائرة مفتوحة، وقد ألف الشيخ عبد الرحمن الدمشقي كتاباً عن ذلك كما ألف أيضا الشيخ متولي الشعراوي كتاباً بعنوان " ميزان اختلاف الأئمة" وهذه الدائرة واسعة للعلماء لهم أن يجولوا فيها ويجتهدوا اجتهاداً إنشائيا أو انتقائياً([9]). (الإفتاء قيمة وإصلاح للمجتمع) وأتناول فيه العناصر الآتية:* التعاريف. * الحلول العملية في إصلاح المجتمع. * حتمية فقه الواقع. * الوسطية واليسر في إصلاح الدين والدنيا. 1- معنى الإفتاء قيمة وإصلاح للمجتمع: الإفتاء لغة: وهو والفتوى بمعنى واحد، والفعل "أفتى" ويفيد معنى الإبانة والتبيين عامة، ويقال:أفتاه في الأمر أي أبانه له والفتيا والفتوى (بضم الفاء فيهما، وفتحها في الثانية وهو أرجح)([10])، ومنه قوله تعالى: "ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن...."([11]) أي يفتيكم في شأنهن، ويبين لكم بأجلى بيان وأحكمه ما تجهلون من أحكامهن. ويقضي بينكم وبينهن بالعدل الذي لا يحوم حوله باطل. وفي تقديم لفظ الجلالة تنويه بشأن هذه الفتيا، وإشعار بوجوب التزام ما تضمنته من أحكام؛ لأنها من العليم الخبير.([12]).وفي حديث وابصة بن معبد-رضي الله عنهما- أنه قال أتيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فقال جئت تسأل عن البر والإثم ،قلت:نعم، قال –عليه الصلاة والسلام- استفت قلبك البر مااطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك"([13]) أخرجه الإمام أحمد والدارمي في مسنديهما". والفتوى اصطلاحا: إخبار بحكم الله تعالى عن الوقائع بدليل شرعي من غير إلزام. وعبارة "من غير إلزام" قيد في التعريف يوضح أن الفتوى في أصلها غير ملزمة وإن كان إلزامها ديانة بخلاف حكم القاضي فإنه ملزم عموما(ديانة وولاية)([14]). القيمة لغة: واحدة القيم، قيمة الشيء: قدره ( أي عبارة عن قدر ماليته بالدراهم والدنانيربتقويم المقومين وهي مساوية له بخلاف الثمن فإنه قد يكون ناقصا أوزائدا)، وقيمة المتاع ثمنه، وتأتي بمعنى الثبات والدوام، يقال: ماله قيمة: إذا لم يدم على شيء، وما لفلان قيمة:ماله ثبات ودوام على الأمر.([15])وأما القيم اصطلاحا: فهي صفات كريمة وسمات حميدة يتحلى بها الإنسان.الإصلاح لغة واصطلاحا: هو ما ينبغي فعله مما فعله منفعة، وضده الإفساد وهو ما ينبغي تركه مما هو مضرة.والصلاح هو سلوك طريق الهدى،وقيل: هو استقامة الحال على ما يدعوا إليه العقل.([16]) المجتمع: يطلق على جماعة من الناس تشترك في مجموعة من السمات والملامح تجعلها نظاما اجتماعيا فريدا فذا حقيقة، منها: الدين واللغة وجغرافيا والتاريخ المشترك.ويطلق أيضا على موضع الاجتماع،([17]) والإطلاق الأول هو المقصود فى هذا المقام. 2- الحلول العملية في إصلاح المجتمع: إن رجال الأمة الإسلامية ترتفع أصواتهم في كل مكان في الآونة الأخيرة منادية بالإصلاح ، وعاملة على الأخذ في سبيله من أجل ما يتمناه الجميع من نهضة نرجو أن تأخذ طريقها السليم.([18]).ومن هنا يأتي دور المفتي فى إرساء تلك القيمة في المجتمع. إن الإفتاء يحقق قيما في المجتمع ومنها قيمة الإصلاح الاجتماعي؛ لأن الفتاوى تمثل الحلول العملية لنظر الدين في المشاكل الاجتماعية ، والأحكام التطبيقية في القضايا المتجددة ، فهي- أي الفتاوى - على قدر الوقائع.([19])ومن المشاكل الاجتماعية: 1 – مشكلة الفقر والبطالة:- يتأثر سلوك الإنسان بعاملين أساسين هما: عقيدته ومثله وقيمه، ثم أحواله الاقتصادية ومدى قدرته على سد احتياجاته المعيشية، وتتلخص المشكلات الاقتصادية التي تواجهها في قضية واحدة هي مشكلة الفقر، ونظراً لغلبة الحس الديني لدى المسلمين كافة ، فمن المناسب أن نعرض موجزاً للتصور الإسلامي لهذه المشكلة حيث لم يرجعها إلى الفقراء أو إلى قلة الموارد، كما ذهب التصور برأسماله أو إلى علاقات التوزيع كما ذهب التصور الاشتراكي، وإنما أرجعها إلى التصور في استغلال الموارد الطبيعية لا إلى قلتها وإلى شح الأغنياء وسوء التوزيع لا إلى الملكية الخاصة، ومن ثم حث الإسلام على تنمية الإنتاج كما أمر بعدالة التوزيع. ولمواجهة مشكلتي الفقر والبطالة والتي لهما انعكاساتهما على السلوك في المجتمع أوجد الإسلام – منذ بدايته – مؤسسة مستقلة على الجهاز الإداري للدولة ليس بمواردها ومصارفها فحسب بل والعاملين عليها وهي مؤسسة الزكاة التي هي بالتعبير الحديث مؤسسة الضمان الاجتماعي في الإسلام. ولم تكن وظيفة الزكاة مجرد الإعانة العارضة أو المؤقتة وإنما تمكين المحتاج من الاكتفاء ومن إغناء نفسه بنفسه بحيث يكون له مصدر دخل ثابت يعينه ويكفيه هو وأسرته على الدوام، ويتحول من مستحق للزكاة إلى معطٍ لها([20]).فهناك ظواهر اجتماعية مستجدة منها ظاهرة العنف الاجتماعي، وفرض الرأي بالقوة، وظاهرة التحول من القيود، وإغفال القيم الدينية والأخلاقية، وقيام صراعات ماديةٍ و مذهبية فضلاً عن ظاهرة التفكك الأسري ومشكلة الطلاق وغلاء المهور وغير ذلك. وكانت قوة تأثير وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية من أهم التغيرات التي طرأت على المجتمع وهي سلاح ذو حدين وقد زادت خطورة هذه الوسائل بعد أن أصبح العالم أشبه بقرية واحدة تتمكن في سماتها وسائل البث التليفزيوني من توصيل ما يحمله من وسائل إعلامية وفكرية وثقافية وفنية إلى معظم أنحاء الدنيا في أسرع وقت ممكن مما لم يكن يدور في خلد البشر قبل أعوام قليلة. ([21]) وبدورنا لا نستطيع أن نمنع ما تبثه القنوات الفضائية، فما يكون مخالفاً لمفاهيمنا أو عاداتنا أو معتقداتنا أو سلوكياتنا فعلينا إذا أردنا أن نتصدى لذلك أن نبدأ بتحليل الواقع. فدراسة الواقع من ناحيتي الشكل والمضمون تعد نقطة البداية الصحيحة التي لابد منها للتطوير والتغيير الإيجابي وأن نبحث كل العوامل والظروف المحيطة بها، لنعرف ما هو إيجابي يتطلب دعمه وإثراءه، وما هو سلبي للحد من آثاره ومقاومته ثم يبقى أن نحدد الأهداف التي نريد تحقيقها. ومن هنا كان لابد من مجال ترشيد السلوك أن يكون الهدف محدداً في مسارات يتفق عليها من خلال رؤى مستقبلية واضحة. وتحتاج عملية ترشيد السلوك بوجه عام إلى فهم كل ما هو من شأنه أن يؤثر فيما يصدر عن الأفراد من سلوكيات مرغوب فيها أو غير مرغوب فيها. فالإفتاء بدوره يرسي منظومة من القيم والأخلاق النبيلة منها: التعاون على البر والتقوى، الإحسان بمفهومه الشامل، المحبة والإخاء والإيثار على النفس، الوسطية والاعتدال في الأمور كله، الإصلاح بين الناس بالعدل، المسارعة إلى فعل الخيرات، حب الإنتاج وإتقان العمل، روح التسامح والتناصح والتواصي بالصبر والمرحمة، وغير ذلك.
وعلى هذا لا تسموا حياة الفرد حتى يكون جزءاً من كلٍ (المجتمع)، وعنصراً فاعلاً منتجاً ومنجزاً في مجتمعه ولا يجتمع الكل حتى يكون تاماً فيما هو كل به وفكرة الكل هذه لا يصورها ولا يستوفي معانيها إلا الدين الصحيح. ([22]) وفي الحديث: مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وإن العضوية في المجتمع تكسب الأنماط الكاملة للسلوك المتبادل وإن تمثيل الأفراد لقيم الجماعة جزء من المشكلة الكبرى الخاصة بالأساس الفردي الذي يبدأ منه التغيير وإذا خضعت البيئة للأنانية الفردية لم تصلح أن تكون مأوى لحياة روحية سليمة. ([23]) وكل مجتمع مواده وهيكله وحياته وصورته، وعلى المصلحين دراسة كل الأحوال والظروف؛ ليقوموا بدورهم في عملية الإصلاح الاجتماعي نحو الأفضل قال الله تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". إن التغيير مهمة لا يقوم بها إلا من وفقه الله تعالى وأمده بعونه، ولا يقوم بالتغيير المطلوب دينياً إلا ذو مرة السوي وعليه أن يكون ملماً بتعاليم الإسلام ومقتضيات العصر وان يدرس نفسية الأفراد وطبيعة المجتمع وروابط الأفراد بعضهم ببعض، والنظم التي توجه سلوكهم ونشاطهم. فلا غنى للمفتي كمصلح اجتماعي عن التزود بالعلوم الإنسانية من علم نفس واجتماع واقتصاد ونظم وغيرها. فإن هذه حياتهم والنظم صور صادقة لها. فالإنسان لا يحيا إلا بقدر ما يشارك عصره في فكره رافضاً هنا ومعدلاً هنا وراضياً هناك، وإذا لم نتطور كما يتطور الأخرون عشنا في عصرنا غرباء العقل، أجانب الشعور، وحشية الثقافة ([24]) وعلى هذا فلابد أن ندرك سمات عصرنا حتى لا نصطدم نواميس القوم. وينبغي على المفتي أن يراعي في كل واقعة المناسبة بين الجواب المطلوب "الفتوى" والحل المنشود، مراعيا في ذلك المتغيرات الأربعة: الأشخاص والأحوال والأزمان والأمكنة. وهناك فرق بين حكم عملي راعى الظرف وأحاط بمعطيات القضية وحكم نظري يساق في كتاب فقهي وينساق مع غيره من أحكام في وضع تقليدي يضمها ديوان؛ لأن الفقه حركة ولا بد من إعمال أحكامه في دنيا الناس؛ ليكون فقه حياة وسلوك كما كان. 3- حتمية فقه الواقع: إن الفتوى تتغير بتغير الحال ، وتغير الحال واقع نعيشه جميعا، فحال الضيق غير حال السعة، وحال المرض غير حال الصحة ، وحال السفر غير حال الإقامة وحال الحرب غير حال السلم وحال الخوف غير حال الأمن، وحال القوة غير حال الضعف وحال الشيخوخة غير حال الشباب وحال الأمية غير حال التعلم.([25]) والمفتي الموفق هوالذي يراعي هذه الأحوال ويميز بعضها عن بعض ولايجمد على حكم واحد وموقف واحد وإن تغيرت الأحوال. ومن المعروف أن للفتوى عنصرين: الواقع ثم حكم الله في مثله،([26]) فصلاح الواقع بصلاح الفتوى.ومن الفتاوى فتاوى عامة تعالج المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تهمّ الأمة؛ وتكون المسألة فيها واقعة( مسألة مركبة)، وهذه تحتاج من الفقيه المفتى مراعاة المتغيرات الأربعة التي سبق ذكرها، وكذلك مراعاة حال المستفتي إن كانت الفتوى خاصة به، وكذلك لابد من مراعاة مراحل الفتوى قبل إصدارها:( تصوير المسألة ثم التكييف الفقهي لها ثم الحكم الإفتائي)([27])؛ لأن الفتاوى ثراء فقهي وقيمة حضارية للأمة ، وتكشف عن ظواهر في البيئة الإسلامية وتسجل العلاقات بين أفراد المجتمع الإسلامي في شتى مجالات الحياة . وعلى هذا فالفتوى ترسى قيمة الإصلاح في المجتمع ، فتصلح ولا تفسد وتبني ولا تهدم وتراعى فيها مآلات الأفعال ومصالح الأنام الدينية والدنيوية وتحصيلها ودرء مفاسدهما. 4- الوسطية واليسر في إصلاح الدين والدنيا: وينبغي أن يعامل المفتي القضايا المتجددة بحكمة ومداراة ورفق واتزان واعتدال لإصلاح الدين والدنيا معا ، منطلقا من موازنة الثوابت والمتغيرات،أو الأصالة والمعاصرة ،وأن يقدمها للأمة بحكمة وحنكة مراعيا لحالها كالطبيب الذي يصف الدواء الناجع للمريض فيُشفَى بإذن الله تعالى ،لا كالصيدلاني الذي يعرف التركيب الكيمائي للدواء، ولا يعرف تشخيص الداء ووصف الدواء المناسب له، وأن لا يداهن في إصلاح الدين لإصلاح الدنيا؛ لأن التملّق مذموم والمداهنة خطيئة. وعلى هذا فلا بد من مراعاة الأسس التى تقوم عليها عملية الإصلاح سواء بالنسبة للفرد أو الأسرة أو المجتمع بمؤسساته المختلفة وهنا يأتي دور العلماء عامة والمفتين منهم خاصة لإصلاح الراعي و الرعية، ولإقامة العدل ورعاية المصالح، وهذه من ضروريات فقه مقاصد الشرع. فائدة: قال سلطان العلماء الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في (الفوائد في اختصار المقاصد) المسمى بالقواعد الصغرى: " لا يجوز الجدل والمناظرة إلا لإظهار الحق ونصرته، ليعرف ويعمل به، فمن جادل لذلك فقد أطاع وأصاب ، ومن جادل لغرض آخر فقد عصى وخاب.ولا خير فيمن يتحمل لنصرة مذهبه مع ضعفه،وبعد أدلته من الصواب؛ بأن يتأوّل الكتاب ،أو السنة ، أو الإجماع على غير الحق والصواب. وذلك بالتأويلات الفاسدة والأجوبة النادرة"([28]). وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. أهم النتائج والتوصياتالحجر على المفتى غير المؤهل المتلاعب بأحكام الشرع دون مراعاة منهجية الفتوى وشروط الاجتهاد. وضع ضوابط على الفتاوى في الإنترنت والقنوات الفضائية. إنشاء هيئة الرقابة الإفتائية لضبط الفتاوى الشاذة. عدم خلط بين المسائل العلمية المتعلقة بأحكام الشرع وبين القضايا العامة التي تهم الأمة مثل: حقوق الإنسان، والتعددية الثقافية والفكرية، وقضايا التنمية البشرية، وقضايا البيئة وكذلك قضايا الهوية والأمن والسلام وغير ذلك. التزام التقليد بمذهب فقهي من بين المذاهب الفقهية المعترف بها التي اجتمعت الأمة عليها، لأنها مؤصلة ومخدومة وأنفق الفقهاء قديماً وحديثاً أعمارهم في دراسة علمية شديدة التعمق والتخصصية. إنشاء معهد عالي للإفتاء والقضاء الشرعيين تحت إشراف دار الإفتاء العالمية لتخريج مفتيين أكفاء وقضاة شرعيين. أن تتولى الفتاوى العامة التي تمس قضايا الأمة دار الإفتاء العالمية. عدم الخروج على القرارات والتوصيات الصادرة من المجامع الفقهية المعتبرة في العالم الإسلامي. أن يستشير المفتي أهل الاختصاص في المسائل والقضايا المستجدة التي لم يصدر بشأنها رأي معتمد من المجامع الفقهية المعتبرة مع الأخذ في الاعتبار عند إصدار فتوى ألا تعارض صريح الكتاب وصحيح السنة والالتزام أيضاً بالأدوات الأصولية. أن يتصدر الفقهاء والمفتون الذين لهم أهلية الفتوى في الفضائيات والإنترنت لملأ الفراغ الذي يشغله أنصاف العلماء والمفتون الماجون أي المتلاعبون بأحكام الشرع، حيث الإقبال على هذه القنوات الفضائية أصبح كبيراً. إيجاد لجان متخصصة من أخصائيين اجتماعيين - بجانب لجان الفتوى- تقدم استشارات اجتماعية منضبطة بضوابط شرعية، وذلك لاحتواء المشاكل الاجتماعية التي تؤدي ما لا يحمد عقباه.وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،، *باحث صومالي نال جائزة الإفتاء العالمية من دار الإفتاء المصرية
([1]) سورة النساء، آية: 127. ([2]) سورة النساء، آية: 176. ([3]) التفسير الوسيط لفضيلة الدكتور /محمد سيد طنطاوي - شيخ الأزهر. ص(326، 411)، المجلد الثالث، الطبعة الأولى- 1992، القاهرة، دار المعارف.([4]) الإفتاء بين الفقه و الواقع- لفضيلة الدكتور /علي جمعة مفتي الديار المصرية، ص (5، 6، 11)، الطبعة الأولى- شركة الوابل الصيب، المقطم، القاهرة، 2007.([5]) الفتوى بين الانضباط والتسيب- لفضيلة الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي، ص (18، 20، 23)، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الأولى 2008.([6]) مقدمة المجموع، للإمام النووي، فصل آداب المفتي والمستفتي.([7]) مهارات الإفتاء" للدكتور/ عمرو الورداني مدير مكتب المبعوثين بدار الإفتاء المصرية. ([8]) الفوائد في اختصار المقاصد –المسمى بالقواعد الصغرى- للشيخ عز الدين ابن عبد السلام . ص (54)، تحقيق الدكتور/ جلال الدين عبد الرحمن- الطبعة الأولى- مطبعة السعادة- الناشر دار الكتاب الجامعي، القاهرة.([9]) محاضرة «الفتاوى الشاذة» للدكتور/ يوسف القرضاوي. من موقع: الفقه الإسلامي.([10]) القاموس المحيط، مادة: «أفتى» للفيروزآبادي، دار الفكر، طبعة جديدة منقحة- بيروت، المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية، القاهرة.([11]) سورة النساء، آية: 127.([12]) التفسير الوسيط للقرآن الكريم، ص(326).([13]) جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي، ص (93، 94).([14]) مهارات الإفتاء.([15]) المعجم الوسيط.([16]) منهج الإصلاح الإسلامي في المجتمع، لفضيلة الدكتور/ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق.([17]) المرجع السابق. ([18]) المرجع السابق.([19]) فتاوى ابن رشد.([20]) الإنسان وصحته النفسية، د. سيد صبحي،صـ 334 ، 335 ، مكتبة الأسرة، 2003. ([21]) نفس المصدر السابق، صـ 338. ([22]) كتاب القانون والفكر الإسلامي ، صـ 263، د. محمد عبد المنعم القيعي، دار البصائر، الطبعة الأولى، 2004.([23]) نفس المصدر السابق. ([24]) نفس المصدر السابق، صـ 262 ، 264. ([25]) قناة الجزيرة، برنامج: «الشريعة والحياة» موجبات تغير الفتوى، لفضيلة الدكتور/ يوسف القرضاوي.([26]) الحكم الشرعي عند الأصوليين، ص (114) لفضيلة الدكتور/ علي جمعة محمد- مفتي الديار المصرية.([27])مهارات الإفتاء" للدكتور/ عمرو الورداني مدير مكتب المبعوثين بدار الإفتاء المصرية. ([28]) الفوائد في اختصار المقاصد –المسمى بالقواعد الصغرى- ص (123) للشيخ عز الدين ابن عبد السلام . تحقيق الدكتور/ جلال الدين عبد الرحمن- الطبعة الأولى- مطبعة السعادة- الناشر دار الكتاب الجامعي، القاهرة.
|
(3) -
جزى الله الأخ عبد القادر خير جزاء. فإننا حقا بحاجة ماسة إلى من يقوم بهذا العمل الجليل مطلعا لأحوال العصر ومقاصد النص في وقت انخفضت فيه خصوبة الأمة الصومالية لانتاج العلماء والمتخصصين بسبب تدهور ظروف البلد وهيمنة حالة اللاستقرار . في الظرف الذي يكون الظمأ في أوجهه تكون للقطرة من الماء قيمة خاصة تستحق بالعناية الخاصة . نرجو من الله الديمة من علماء الدين والمتخصصين في فروع المعرفة وأن يعم بلدنا الحبيب الاستقرار والرخاء تحت راية كلمة الحق 'لا إله إلا الله' بكل شموليتها في عبادة الله وعمارة الأرض بما يضمن مهام الاستخلاف .
المصادر التي إعتمدها هذاالكاتب يغنيك عن مؤنته نسأل الله السلامة والعافية الشوق والحب إلى منصب الإفتاء فيمدح قائلا :((فالإفتاء منصب شريف، ومقام سام ٍ،فأسند ه الله - سبحانه وتعالى - إلي نفسه إسناد َ تشريف وتعظيم لقدره،))..........ولقد صدق بعض السلف حينما جلس مجلس الإفتاء :((رب دات وبر لا تنقاد ولاتنساق ولو سئل عنها الصحابة لعطلت بها)).
غريب....وغريب ....وغريب
الأثري مشربا
عجيب شأنك لا أ نت تعلمت شيا ولا أنت تترك الأ خرين حتي يفيدو لغيرهم !!!!!!
1
الصفحه 1 من 1 ( 3 تعليقات القراء )