المزيدAdvertisement الصومال فى سطور
ندوةجريدة الاهرام مقالات د. أحمد إبراهيم Advertisement 
الصومال.. على ماذا يتقاتل رفقاء الجهاد؟! طباعة ارسال لصديق
09-08-2009

مصطفى عياط

السبت 17 شعبان 1430 الموافق 08 أغسطس 2009

قبل نحو سبعة أشهر كتبنا في هذا المكان نتساءل: هل ينهي الإسلاميون سنوات التيه في الصومال؟!

وكنا نعتقد أن الردَّ بالإيجاب هو الاحتمال الأقرب للتحقق، وَفْقَا للعديد من الحقائق والمؤشرات، لعل أبرزها وجود توافق إقليمي ودولي، ولو على مضض، على أنه لا مجال لعودة الاستقرار لتلك الدولة المفككة إلا بإشراك الإسلاميين في الحكم، أو حتى منحهم الفرصة لقيادة البلاد بشكل كامل.

وهذا ما تحقق بالفعل مع انتخاب الزعيم السابق لاتحاد المحاكم الإسلامية شريف شيخ أحمد رئيسا للصومال، إلا أن رفقاء الجهاد أبوا إلا تكرار السيناريو الأفغاني، مستندين في موقفهم على اتهامات بالخيانة والعمالة وجهوها لمن كان قبل أشهر قليلة أخًا، ومجاهدًا وزعيمًا.

المواقف الداعمة لشيخ شريف لم تكن تقتصر على هذا التوافق الدولي والإقليمي، بل حظي الرجل بإشادة وتأييد من العديد من المراجع الإسلامية المعتبرة داخل الصومال وخارجها، وهو ما عبرت عنه بيانات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وتصريحات العديد من قادته.

هذا فضلا عن التأييد الذي يتمتع به وسط قطاعات كبيرة من الشارع الصومالي، بما فيه من قوى عشائرية وإسلامية.

فالرجل لم يهبط على المشهد الصومالي بالبارشوت بل عايش نضال المحاكم منذ بدايته، وأجمع الكثيرون على نزاهته واعتداله ونهجه التوحيدي.

ما الجديد؟

إذن فما الذي دفع رفقاء الجهاد، وبالتحديد الحزب الإسلامي وحركة شباب المجاهدين والشيخ طاهر أويس، إلى رفع السلاح ورفض الاعتراف بحكومة شيخ شريف.

وذلك برغم من أن الرجل أعلن التزامه بتطبيق الشريعة، وناشد معارضيه –مرارا- الاحتكام إلى مائدة الحوار لحل الخلافات وفتح صفحة جديدة، خاصة بعدما خرج المحتل الإثيوبي من البلاد، إلا أن كل ذلك ذهب أدراج الرياح، حيث وضع المعارضون كل من شيخ شريف وأثيوبيا وأمريكا وقوات الاتحاد الإفريقي في كفة واحدة، وأعلنوا الحرب على الجميع.

خصوم شيخ شريف استندوا في موقفهم على عدة أمور، فهم رفضوا من البداية "اتفاق جيبوتي" الذي خرجت بمقتضاه قوات الاحتلال الإثيوبي من البلاد، وعلى أساسه جرى إدماج المحاكم الإسلامية، جناح جيبوتي، في العملية السياسية، مؤكدين على أنه لا مجال للتفاوض مع المحتل الغاشم.

كما رفضوا موقف الرجل من القوات الأفريقية، والذي يقوم على التفاوض لتنظيم خروجها بشكل تدريجي، واعتبروا تلك القوات "قوة احتلال" يجب إخراجها بالقوة.

هذا فضلا عن توجسهم مما يتردد حول وجود قنوات اتصال بينه وبين الأمريكيين، هو أمر مجرد الشك فيه يسقط أي اعتبار للشخص مهما كانت مكانته، وذلك وفقا لما يراه خصوم شيخ شريف، الذين لا يخفون تقاطعهم الفكري مع الكثير من الأفكار التي يعتنقها تنظيم القاعدة.

ثمن فادح

وبناء على هذه الاعتراضات شن المعارضون هجوما ضاريا، استطاعوا خلاله الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الصومالية، حتى بات نفوذ الحكومة يقتصر على عدة مبانٍ في العاصمة مقديشو وبلدة بلدوين.

لكن الثمن كان فادحا، حيث سقط مئات القتلى الأبرياء، وتم تشريد عشرات الآلاف هربا من المعارك التي استخدمت خلال الأسلحة الثقيلة، وهو ما بدد آمال الصوماليين في التمتع بفترة لالتقاط الأنفاس.

وإذا كانت نيران المعارك قد جعلت مشاريع المصالحة تتوارى بعيدا، كما أن كثيرا من الوسطاء باتوا يخشون المضي في وساطتهم خشية من أن تطالهم اتهامات العمالة والخيانة، كما حدث مع شيخ شريف، فإن خطورة الوضع ربما تتطلب وقفة لإجراء "جرد حساب" ومحاولة استشراف آفاق المستقبل للوضع المتردي في الصومال.

بداية فإن "النيات الحسنة" إذا ما افترضنا وجودها لدى خصوم شيخ شريف، يجب ألا تكون مبررا لسفك دماء المئات من الأبرياء في قتالٍ عبثيٍّ، ولا حتى مبررا لمن يتحرجون في إدانة هذا السلوك، خاصة بعدما خرج المحتل الإثيوبي.

وتكمن عبثية هذا القتال في أن أي صومالي بسيط يدرك أنه في اللحظة التي يسقط فيها "شباب المجاهدون" حكومة شيخ شريف فإن الإثيوبيين سوف يعيدون اجتياح الصومال مجددا.

ولن يختلف السيناريو هذه المرة عن سابقتها، حيث ستنهار المقاومة في أيام قليلة، ليس لنقص شجاعة، ولكن للفارق الهائل في القدرات العسكرية بين الفريقين، ومع الاحتلال ستعود المقاومة للاشتعال من جديد.

وهذا أمر يفوق طاقة الشعب الصومالي الذي يعيش في فوضى منذ ما يقرب من 20 عاما وأصبح من حقه الاستمتاع ولو بقدر من الهدوء.

عمالة مزعومة

وبالطبع فإن البعض سوف يسارع للقول: إن هذا السيناريو يؤكد عمالة وتواطؤ شيخ شريف مع الإثيوبيين، ومن ورائهم أمريكا، وأن مجرد رضاء إثيوبيا وأمريكا عنه حكومته يعد مبررا قويا للشك في نيات وأهداف الرجل.

وهذا الرد رغم منطقيته الظاهرة إلا أنه يكشف عن جهل صاحبه بتعقيدات الوضع الصومالي، فإثيوبيا أصبحت بالفعل لاعبا أساسيا في تقرير ما يحدث بالصومال، وذلك بحكم الجغرافيا والعداء التاريخي بين البلدين، ومواجهة هذا النفوذ -غير الصحي- لا تصلح معه المواجهة المسلحة في ظل اختلال موازين القوة الشاسع لصالح الإثيوبيين.

ولذا فإن الأمر يحتاج إلى سياسة النَّفَس الطويل، من خلال إعادة بناء مؤسسات الدولة، وضخ الدماء في شرايين الاقتصاد المتجمدة، وتشكيل جيش وطني قوي.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فهي تسعى لتأمين مصالحها في القرن الأفريقي، والتي تتمثل أساسا في منع تنظيم القاعدة من إيجاد ملاذٍ آمن في الصومال، كما أن وجود حكومة صديقة في تلك المنطقة الإستراتيجية الهامة، يعد أمرا محبذا لصانع القرار الأمريكي، الذي لن يتسامح مع وجود حكومة معادية، ولن يتردد في بذل أي جهد متاح للإطاحة بها.

حسابات المصالح

وإذا كان الصومال ببنيته القبلية المتماسكة، وتدينه الفطري البسيط لا يعد بيئة ملائمة لانتشار الأفكار التي يروج لها تنظيم القاعدة، فإنه لا مصلحة للصوماليين في تحول بلادهم لملاذ للتنظيم ومقاتليه، خاصة في ضوء ما يجره ذلك من تبعات لا قبل لهم بمواجهتها.

كما أنه لا مصلحة لأي حكومة صومالية في معاداة أمريكا على طول الخط، بل يجب أن يخضع الأمر لحسابات المصالح والاحترام المتبادل.

وبالتالي فلا ضرر أو شبهة في وجود اتصالات بين شيخ شريف والأمريكيين طالما أن ذلك لم يمس سيادة الصومال، فمثلا لا يمكن الزعم بأن شيخ شريف منح الأمريكيين قاعدة عسكرية أو موطئ قدم في البلاد.

أما أن يتوهم البعض في قدرته على خوض معركة مفتوحة مع أمريكا، من خلال الصومال وبدماء أهله، فهذا أمر لا يقره عقل أو دين، ولا طاقة للصوماليين به، خاصة إنه لا يمكن الادعاء بوجود تهديد أو اعتداء أمريكي مباشر على الصومال.

ومن المفارقة أن من عابوا على شيخ شريف شبهة التنسيق مع الأمريكيين، هم من دفعوه لتعميق هذا التنسيق، لدرجة تدخل الإدارة الأمريكية العاجل لتزويد المسلحين الموالين للحكومة بالذخائر لمنع انهيارهم أمام هجمات "شباب المجاهدين".

وهو خيار ربما لم يكن محبذا لدى شيخ شريف، لكنه كان ملاذه الأخير، لمنع استيلاء المعارضين على قصر الرئاسة، وهذا التفسير لا يعني التبرير بقدر ما يستهدف الفهم فقط.

أما فيما يتعلق بالقوات الأفريقية، فهي موجودة في البلاد طبقا لقرارات مجلس الأمن، وهي فقيرة في العدد والعتاد.

ولذا فإن تأثيرها العسكري يعد محدودا للغاية، وإن كان التقدم الكبير لقوات المعارضة صوب القصر الرئاسي في مقديشو قد دفعها للانخراط في المعارك بجانب القوات الحكومية، إلا أن تأثيرها على مسار المعارك كان هامشيا، حيث لازال مقاتلو المعارضة يحكمون سيطرتهم على القطاع الأكبر من العاصمة.

وبالنسبة للكثيرين فإن استغلال وجود هذه القوات لإشعال فتيل حرب طاحنة بين أخوة الوطن والدين يعد أمرا غير مفهوم، بل إن قبول المعارضة بنظام شيخ شريف كان سيعيد الاستقرار للبلاد، ما يعجل بخروج هذه القوات.

لكن يبدو أن إدمان البعض للقتال وارتباطه بأهداف ومصالح تتجاوز حدود وطاقة الصومال، رجح قرار الحرب على خيار المصالحة.

 
تعليقات القراء
انت لم تأذن لمغادرة تعليقات.