المزيدAdvertisement الصومال فى سطور
ندوةجريدة الاهرام مقالات د. أحمد إبراهيم Advertisement 
نحو فهم أعمق في فهم الأولويات سلسلة تثقيف الشاب الصومالي (3) بقلم آدم يونس طباعة ارسال لصديق
16-06-2009

بسم الله والصلاة والسلام على رسول اللهr. وبعد.

 فإن الاهتمام بالدعوة إلى الله والشروع فيها أمرٌ مرغوب به في ديننا الحنيف؛لأنها وظيفة العلماء الربانيين والمصلحين؛ نظرا للدور الإيجابي والإصلاحي والإنقاذي المتمثل بتلك المهمة العالية الرّفيعة التي يقومون بها ويؤدونها، كما أنها مهمة صعبة وليست سهلة تحتاج إلى تدرّبٍ وخبرةٍ وحنكة كغيرها من الأعمال والمهمات التي تُسند إلى متخصصيها وروادها، وهو فنٌ لايمكن أن يسبح فيه إلا من أوتي العلم والحكمة، ومن لم يؤت العلم والحكمة لابد أن يفشل بأسرع وقت ممكن وقبل أن يخطو خطوته الأولى.

وبناءً عليه فإن لكل فنٍ له مفتاحه إذ من ليس معه مفتاح لايمكن أن يطرق باب الدعوة إلى الله، ومفتاح هذا الفن هو: العلم، والحكمة، والإخلاص، والتأني، والتؤدة ، وغير ذلك مما هو من سلاح الدعوة إلى الله.  

ولا يتصور أن تكون لدى الإنسان أو أن يمتلك العلم والحكمة دون أن يفهم الكتاب والسنة ومقتضياتهما مستصحبا لفهم الأولين المتقدمين من العلماء والفقهاء، وطريقة نشرهم للدعوة إلى الله وكيفية إبلاغهم الدعوة إلى الله نيابة عن الله وعن رسولهr.

هذا وقد كانت الطريقة التي أنزل بها القرآن الكريم على رسول اللهr  تدريجيّةً حيث كان ينزل القرآن الكريم حسب الأولوية والمهمة الأكثر إلحاحا وحسب الظروف والحاجة؛ لاسيما في مقامات المأمورات والمنهيات، فنجد مثلا أن تحريم الخمر قدمر بثلاث مراحل .

المرحلة الأولى:[ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيها إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعها]البقرة[219]

المرحلة الثانية:[ ياأيّها الذين آمنوا لاتقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ماتقولون]. النساء [43]

المرحلة الثالثة: [ ياأيّها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون] المائدة [90]

وكذا الربا أيضاً لم يحرم الشرع مرّة واحدةً  فكان تحريمها حسب الأولوية والظروف بعد أن هيئت نفوس المسلمين لذلك.

قال تعالى: [ وما أتيتم من ربا ليربو في أموال الناس قلا يربو عند الله، وما أتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المفلحون]الروم [29]

قال تعالى: [ ياأيها الذين آمنوا لاتأكلوا الربا أضعافا مضاعفة وأتقو الله لعلكم تفلحون]آل عمران[130]

قال تعالى[ وأحل الله البيع وحرم الربا] البقرة[275]

قال تعالى[ ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا مابقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله فإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لاتظلمون ولا تظلمون] البقرة [278-279]

وهكذا باقي الأحكام من العبادات والمعاملات والمناكحات، وغير ذلك من الأحكام التي تدل على مراعاة ديننا الحنيف بفقه الأولويات ومراعاة الظروف والأحوال  والأمكنة والأزمنة المختلفة.

وكانت دعوته r على هذا المنهج  مع ماكان يُعاني الرسولr من العداوة الشديدة من بني قومه كانت تُراعي دعوته فقه الأولويات وحسب المصالح والمفاسد.

 ومما هو جدير بالذكر أن الناس في هذا الباب منقسمون إلى قسمين حول هذا الموضوع.

قسم لايهتم بفقه الأولويات في دعوته بل ولا يعترف به ولايراى أن مراعاتها مفيدة بالدعوة إلى الله ، والأشد من ذلك تجده  يُعيب ويُشنِع من يهتم بذلك الموضوع الموروث من لدن كتاب الله وسنة رسول الله r، وإذا ذكر عنده تجده يُلصق عليك بأسماء، وألقاب متعددةٍ تارة يَصفك شخصا سطحيّاً، وتارة تجده يصفك بأنك لاتهتم بجوهر الدين وأصوله وإلى غير ذلك من الأسماء المتعددة السهلة لديه،وقسم آخر فهموا بذلك الفقه وطبقوه وينشرون دعوتهم نحو هذا المنهج، فقدموا الأولويات كل حسب أهميته واضعين نصب أعينهم الظروف الزمانية والمكانية غير منكرين الأعراف والتقاليد التي لاتتعارض مع الشريعة الإسلامية وقواعدها العامة  مما أكسب هذا الفريق حبا واحتراما من الجميع.

إن فهم فقه الأولويات وتطبيقه وتقديم الأهم فالأهم ليس من شأن العوام ولامن وظيفتهم؛ ولكنها وظيفة العلماء والدعاة المصلحين المخلصين ، كما قررت ذلك النصوص الشرعية من الكتاب والسنة وتراث فقهنا المجيد شهادة واضحة على اعتبار مبدأ الأولويات في الدعوة إلى الله والتعامل مع المخالف، وفي ما يلي نورد الأدلة الشرعية لهذا الفقه الغائب عن أذهان كثير من الناس.

التأصيل الشرعي لفقه الأولويات.

أولا: تعريف الأولويات.

التعريف اللغوي.

يقال فلان أولى بهذا الأمر من فلان: أي أحق به، وفلان أولى بكذا أى أحرى به وأجدر.

 التعريف الاصطلاحي.[1]

"وضع كل شيء في مرتبته، فلا يؤخر ماحقه التقديم أو يقدم ماحقه التأخير ولا يصغر الأمر الكبير ولا يكبر الأمر الصغير".[2]

أو هو:" العلم بالأحكام الشرعية التي لها حق التقديم على غيرها بناءً على العلم بمراتبها وبالواقع الذي يتطلبها"[3].

ثانياً: من القرآن الكريم.

أ‌-       قال تعالى:[وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها  سأريكم دار الفاسقين] الأعراف "145"

ب‌-            قال تعالى: [وقل لعبادي يقول التي هي أحسن] الإسراء"53"

ج- قال تعالى: [أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن] النحل "125"

د- قال تعالى:[ فبشر عباد الّذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الّذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ] الزمر" 17-18"

هـ- قال تعالى : [ أولئك الّذين نتقبل عنهم أحسن ماعملوا] الأحقاف"16"

و- قال تعالى: [وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا] الإسراء[106]

ز- يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه‘ قل قتال فيه كبير، وصدعن سبيل الله وكفربه والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله، والفتنة أكبرمن القتل] البقرة"217"

وجه الدلالة من هذه الآيات.

إن المسلم مطالب بمقتضي هذه الآيات بالسعي نحو الأفضل والأحسن وفي جميع الأمور واستفراغ جهده نحو الأولى والأكمل والأفضل في أعماله الدينية والدنيوية، ومراعاة المصالح والمفاسد، وكذا في علاقاته مع خالقه والمخلوق.

 ثالثا: من السنة.

أ‌-      " [ أخرج البخاري عن طريق أبي هريرة t أن رسول اللهt سئل أيّ العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور]

ب‌-            1- [ أخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعودtقال سألت النبيt أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها. قال: ثم أي؟قال: ثم برالوالدين. قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله]

ج- "[أخرج أبوداود في كتاب الزكاة عن أبي هريرة tقال: قال رسول اللهr إن خير الصدقة ماترك غني أو تصدق به عن ظهر غنى .وابدأ بمن تعول]

د - فكما كان رسول اللهr يحث أصحابه الأفضل في العبادات كانت دعوته كذلك تهتم "الأولى " في الدعوة إلى الله، [ فلقد أخرج البخاري في كتاب الفضائل قالت عائشة  رضي الله عنها" إن أوّلَ مانزل منه – يعني القرآن- سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار. حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولونزل أوّل شيء لاتشربوا الخمر لقالوا لاندع الخمر أبداً، ولونزل لاتزنوا لقالوا لاندع الزنا أبداً]

هـ- - وكذا مما يدل اهتمام الرسول r بمبدأ الأولويات في دعوته ماأخرجه البخاري في صحيحه أنه r عندما بعث معاذاً إلى اليمن أو صاه بان يبدأ دعوته بالعقيدة قائلا له[ إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ماتدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض زكاة تؤخذ  من أموالهم وترد على فقرائهم ، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوقّ كرائم أموال الناس].

و [ أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمروtقال: قال للنبيr أؤجاهد؟ قال: لك أبوان؟؟ قال: نعم.قال: ففيهما فجاهد].

ز- [ أخرج البخاري أيضاً عن أنس أن النبيr قال: يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا]

ح – [ أخرج البخاري في صحيحه أن النبيr قال لعائشة رضي الله عنها ياعائشة لولا قومك حديثوا عهد لنقضت الكعبة فجعلت لها بابان: باب يدخل الناس، وباب يخرجون]

 رابعاً: من سيرة الرسول r

أ‌-   نهى الله المؤمنين في مكة عن الانتصار والانتقام باليد قال تعالى: " قل للذين آمنوا يغفروا للذين لايرجون أيّام الله" فأمرهم بالعفو والصفح لئلا يكون انتصارهم ذريعة إلى وقوع ماهو أعظم من مفسدة محتملة، وكان المؤمنون يودون لوأمروا بالقتال لانتقموا من أعدائهم.

ب‌- صلاة الجمعة فرضت في العهد المكي ؛ ولكن الرسولr لم يجمع المسلمين في مكة، وذلك مخافة تعدي المشركين بهم فجمعهم في المدينة.

ج‌-      رفض الرسولr قتل المنافقين مع أنهم كانوا يسعون إفساد المسلمين وبث الخلاف بينهم ، وعندما أشار عليه بعض الصحابة بقتلهم قالr: " فكيف إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه"

ففي الحديث دليل على يقدم الأهم وهو: تقديم المفسدة الكبري على المفسدة الصغرى التي تُسبب الافتراق، وتؤدي إلى فشلٍ في الدعوة

خامسا: بعض الضوابط الواردة على ألسنة الفقهاء:

1-  الأكثر مصلحة أولى بالتقديم من الأقل مصلحة.

2-   الأكثر مفسدة أولى بالدرء من الأقل مفسدةً.

3-   الجهة الغالبة أولى بالتقديم عند تزاحم المصالح مع المفاسد.

4-   الفرائض أولى بالتقديم من النوافل.

5-  الأصول أولى بالتقديم من الفروع.

6-   مايُخشى فواته أولى بالتقديم على مايُخشى فواته.

7-   صاحب الحاجة أولى بالتقديم ممن لاحاجة له.

8-   الواجب المضيّق أولى بالتقديم من الواجب المطلق.

9-  الإحسان إلى الأبرار أولى من الإحسان إلى الفجار.

وإلى لقاء آخر يجمعنا لازلتم برعاية الله وحفظه ودمتم بخير.

*طالب دراسات عليا في المعد العالي للقضاء/ بالرياض.

[1] أنظر مادة ولي في كل من لسان العرب، ومعجم الوسيط، وتاج العروس.

[2] القرضاوي أولويّات الحركة الإسلامية،ص، 38

[3] محمد الو كيلي، فقه الأولويات،ص،16

 

 
تعليقات القراء

شكرا للأخ والزميل آدم على هذا الطرح المتميز والذي يمسر واقنا بشكل دقيق والذي يحاول فيه تقديم رؤية واضحة للدعاة في هذا العصر الذي يحتاج إلى فهم دقيق للواقع وإلى معرفة ما يسمى هذه الأيام ويعرف بفقه الأولويات وفقه المآلات كي لا يقع الدعاة إلى الله في أخطاء قاتلة تضر بالدعوة والدعاة. أخوكم/ محمد أحمد

مرسلة من محمد أحمد, على 06/18/2009 في 08:48

Yes, we need such articles to educate people. Abdallah

مرسلة من Abdallah, على 06/18/2009 في 14:21

فا أحلى من كلام الأخ د. آدم يونس قدأخذ الكلام أحسنه وأروعه, وأنا من الذين يتبعون هذه السلسلة
والأخ يونس يحبنا ونحبه فجزى الله خير الجراء وجعلها في ميزان حسناته إنه على كل شيء قدير

مرسلة من أبو أسيد, على 06/20/2009 في 07:12

ما شاء الله سلسلة من المقالات الشرعية الرائعة والمفيدة جزاك الله خيرا يا دكتور آدم ونحن كمديرى أنشطات شبابية استفدنا منها أكثر ونطلب منك الكثير والكثير من هذ النوع من المقالات و لتطبيقها على أرض الواقع لتثقيف شبابنا المنهمك بتتبع المسائل الفرعية واهمال ضرورات الدين وأصوله ويروجون المختلف فيه اكثر من المتفق عليه لاستباحة الدماء الظاهرة والبريئة مما يوصفون بها من الكفر والردة هداهم الله
وشكرا

مرسلة من عبد الرحمن توريارى, على 06/20/2009 في 14:23

 1 
الصفحه 1 من 1 ( 4 تعليقات القراء )

انت لم تأذن لمغادرة تعليقات.